المقال الاسبوعي لصحيفة قنديل:
كيف يمكن أن تخدم الاحزاب الاسلامية العراق الجديد:
ضرورة التحول من منهج اليمين الكلاسيكي إلى الاعتدال
بقلم: ميرزا حسن دنايي
ليست التيارات الفكرية الاسلامية السلفية –العنفية- وحدها من يحتاج إلى إعادة البنيان الايديولوجي، فهذه المقالة في حقيقتها ربما لن تعني تلك التيارات السلفية التي تذبح المدنيين في الشوارع، لأن هذه التيارات، بغض النظر عن التسمية لا تختلف كثيرا عن أية (عائلة مافيا) موجودة في العالم.
فبالرغم من إستخدامها الدين سلاحاً أساسياً في تنفيذ مآرب إجرامية، ولكن الدين ليس إلا وسيلة، لتحقيق الغرض من تنفيذ الجريمة المدفوعة ثمنها مسبقاً. وبالتالي ليس هناك داعي من مخاطبة هذه العصابات، فهي ليست جزءا من العملية السياسية في العراق، ولن تكون جزءا من المستقبل السياسي العراقي. وكل ما هنالك أنها عبارة عن عصابات جريمة منظمة طفقت مع غياب النظام ومؤسسات الدولة والقانون، وسرعان ما تنتهي مع وجود دولة قانون عادلة.
بل المقالة موجهة بشكل خاص للاحزاب الاسلامية الموجودة على الساحة العراقية، والتي تنتهج مبدأ العمل السياسي السلمي، ومعتمدة على إيديولوجية دينية للوصول إلى السلطة بالطرق المشروعة. إذ تمتلك بعض من هذه الاحزاب تاريخ نضالي لمقارعة النظام، وبالتالي لها جذورها بين صفوف الشعب العراقي، وسيكون لها مستقبل في رسم أية سياسة عراقية.
التحول من معارضة إلى سلطة:
إستخدمت المعارضة العراقية منذ أن طفقت الحكومات الدموية تتحكم برقاب الشعب شتى الوسائل من أجل مكافحة الظلم ومناهضة العدوان، إذ باتت الحكومات المتعاقبة، وبشكل خاص في العقود الثلاثة الاخيرة تمارسها ضد أبناء العراق وضد حريتهم وكرامتهم.
وبلا شك كان أول وأهم سلاح عند المعارضة العراقية هو –تكفير النظام- وهو أسلوب عادة ما يمارس لكسب الاغلبية البسيطة من المواطنين في كافة بقاع الارض لتأليبها ضد شخصية أو نظام معين.
والحقيقة أن تكفير النظام العراقي البائد، لم يكن حجة بل أيضا حقيقة. فشتى الديانات والعقائد وحتى أبسط مبادئ حقوق الانسان كانت تتعارض مع ما كان يمارس في ظل النظام البعثي في العراق.
وأخذ الطابع الايماني الديني للمعارضة يتجسد فيما بعد على شكل أحزاب دينية شيعية وربما سنية في الاونة الاخيرة. ولاننسى هنا أن الظلم الذي لحق بالشيعة في العراق، جعل الانتماء للشيعة وحده جريمة عند النظام العراقي، مما ولد عند الانسان الشيعي الشعور بالانتماء –الممنوع- لهذه الطائفة. وهذا بدوره كان عاملاً نفسياً لصالح المعارضة الشيعية التي إتخذت الدين سلاحاً منذ البداية.
وبدأت الايديولوجيات الدينية السياسية تتقلب في ظروف المعارضة وفق الظروف التي عاشها قادة وزعماء هذه التيارات، التي لم تكن تعيش في نعيم في المهجر أو المنفى. فتلك التي عاشت في إيران كانت تحاول بكل الوسائل أن تحافظ على خصوصيتها العراقية، ولكنها لم تسلم من قصوة النظام المتخلف في ايران، حالها حال المعارضة التي إحتضنتها سوريا أو أية دولة أخرى. (وسوف نتناول في المستقبل هذا الموضوع الشائك الخاص بكافة أطياف المعارضة السابقة).
أما الايديولوجية الاساسية للاحزاب الاسلامية فهي كانت تتمحور حول حلم تاريخي بتأسيس دولة إسلامية في العراق. وهنا لاننسى أن هناك حالتان للدولة الاسلامية المزعومة، فالشق الاول من الحالة يعتمد على مبدأ ولاية الفقيه، والشق الثاني الدولة التي يكون أساسها الاسلام بدون فقيه.
ولكن هذه التيارات لم تضع سوى النظرية، أما الواقع أو الدراسة الواقعية، فهي لم تظهر على السطح سوى بعد السقوط.
فما أن سقط النظام حتى تحول الموقف من موقف معارض مُنظِر إلى حاكم عليه أن يطبق ما يفكر به. مما جعل هذه الاحزاب سواء تلك المحسوبة على الشيعة أو السنة، تقف الان أمام مفترق طرق، فوجدت من واجبها أن تراجع استراتيجياتها وجدوى أفكارها...
التيارات الشيعية تتوجه نحو الواقعية والتيارات السنية في ضياع
لم تمر سوى فترة وجيزة حتى إكتشفت الاحزاب الاسلامية الشيعية أن الحالة الاولى من الدولة الاسلامية (أي مبدأ ولاية الفقيه) لن تكون ناجحة في العراق. بل هي هدامة وسوف تدمر الوجود العراقي. وكان للموقف المتزن للزعيم الروحي الشيعي آية الله العظمى السيد السيستاني وعدم إنخراطه في السياسة الدور الاكبر في إخماد الفكرة الداعية إلى ولاية الفقيه، والزعامات السياسية الشيعية أيضا تبنت الواقعية (بإستثناء السيد مقتدى الصدر). فكانت أيضا أذكى من أن تتبنى هذه الفكرة، بل إن رغبتها الملحة في الحفاظ على عراق موحد، هم يتزعموه، لاجزء جنوبي هم يتناحرون عليه، دخلت في قالب وطني للتمسك بلحمة العراق.
الامر الذي مكن التيارات الرئيسية أن تقول وبفخر أنها تبنت موقفا وطنيا عراقيا بعيدا عن حكومة الملالي في طهران. ولكنها لم تستطع بعد أن تتخلص من الشق الثاني من مطلبها (وهو دولة إسلامية)، الذي بدوره لن يختلف عن الاول بسلبياته. خاصة وأن العراق ليس مثل السعودية أو إيران بطابع ديني واحد.
أما التيارات الدينية السنية، فهي عاشت وتعيش أزمة حقيقية. فالتيارات السلمية منها لا تستطيع أن تثبت وجودها بالشكل المطلوب، بسبب وجود التيارات التكفيرية التي تتخذ مبدأ العنف هدفا ووسيلة وعصابات زرقاوية مدعومة من الخارج. فرأينا حتى مقرات وشخصيات الحزب الاسلامي العراقي والاتحاد الاسلامي الكوردستاني تتعرض للعنف من قبل العصابات التخريب المتدينة.
والتيارات الاسلامية السنية العربية بدورها لم تكن تمتلك إستراتيجية قوية تعزل التكفيريين عن قاعدتها، فليس غريباً إن وجدنا أن أزمة فلوجة كانت السبب الاساسي لحدوث شرخ في هذه القيادات. ربما بسبب وجود شخصيات دينية قيادية سنية تعتقد إن ما يقوم به الارهابيون إنما هو حقاً (جهاد)، وبالتالي فقد كانت تعيش بين مطرقة إيمانها بهذا (الجهاد) وسندان رغبتها بالحل السلمي للعملية السياسية.
والشئ المؤسف له أن الفكر الديمقراطي بين هذه التيارات ليس إلا صوتاً خافتاً لم يستوعب الشارع العراقي أهميته، وهو متركز بشكل أكثر بين الاسلاميين العراقيين الذين إقاموا في المهجر الاوروبي وأدركوا أهمية العلمانية بالنسبة للدولة وسلامية الدولة وضمان الحريات الفردية والجماعية، بما فيها حرية الدين والتدين.
الخطر الحقيقي من تبني مطلب (دولة إسلامية)
لم يتنبه العلمانيون والليبراليون والزعامات الكوردية وحدها إلى مخاطر تبني مطلب دولة إسلامية، بل حتى بعض الشخصيات الدينية التي تلعب دوراً في الساحة السياسية مقتنعة أن التكوين البشري والاجتماعي والجيوسياسي العراقي لايتناسب مع دولة دينية، فنرى أن تيارات ديمقراطية إسلامية ظهرت على الساحة العراقية، تتخذ منهجاً ديمقراطياً شرقياً بعيداً عن مطلب الدولة الدينية.
فالعراق نفسه من ناحية التدرج التاريخي والنفسي الذي خطى كل هذه الخطوات منذ العهد الملكي وقبل العهد الملكي ومروراً بعبد الكريم قاسم ولحد الان، يصعب تحويله بين ليلة وضحاها من دولة قانون إلى دولة شريعة؟!
والمرأة العراقية مثلاً التي تتجاوز أكثر من 50% من التركيبة السكانية وجدت نفسها مع إول إحتكاك بسيادة إسلامية أنها كادت أن تفقد حقها في الحياة بسبب القرار 137 لمجلس الحكم المنحل. وكان القرار 137 ربما ناقوس الخطر جعل العراقيين يتعاملون مع ملف الدين بحذر، وربما يبحثون عن مخرج أو بديل. أضف إلى ذلك العمليات الاجرامية من قتل وتفجير وإغتيالات بحق المواطنين الذي أصبح جزء من الحياة اليومية في العراق، يحدث فقط بإسم الدين... مما يدعو المواطن العراقي إلى أن يفكر ويتسائل من يضمن لنا أن هذه التيارات الدينية السلمية اليوم، لا تحوي في صفوفها توجهات كهذه، مكبلة وقد تظهر في أية لحظة، أو تخرج من تحت سيطرة القيادة الحالية المتزنة والمسالمة.
وأن السؤال الحرج الذي سيتبادر فوراً إلى الذهن، هو أية صورة من الدولة الدينية يمكن أن تكون، والعراق موطن السنة والشيعة، -هنا نغض النظر عن حقوق الاقليات الدينية الاخرى التي تشكل ما يقارب 8% من العراق-.
بل حتى لو قبلنا جدلاً بدولة دينية، من سيكون مرجعها، الفقه السني أم الفقه الشيعي؟! وماذا لو تضاربت المدرستان حول إشكالية معينة، خاصة وأن كل طائفة سوف تنظر إلى تفسيرها نظرة قدسية، وبالتالي سوف يكون هناك (جهاد) من نوعٍ جديد لتمرير تفسيرها ومطلبها، لأن الدولة الدينية سوف تنظر إلى القانون المنبثق عن الدين نظرة السنة الالهية الغير قابلة للنقاش.
وعموم الشعب، الذي سيتعلم لاحقاً أن أي قرار أو قانون يصدر هو من "سنة الله"، فيصعب تغييره فيما بعد، حتى لو ثبت فشله، لأن الناس لن تتقبل بسهولة أن تتغير "سُنة الله"، و"الفقهاء المشرعين" (المقصود أعضاء برلمان في دولة دينية محتملة) سوف لن يستطيعوا أن يغيروا قانوناً هم أقروا شرعيته، وإلا فأن صورتهم في المجتمع سوف تكون غير محمودة، وهذه ربما تكون المشكلة التي تعاني منها السلطة الدينية في إيران الان.
أما دولة القانون العلماني، فهي تنظر إلى القانون كونه مادة تناقش في اروقة البرلمان ويمكن أن تتغير بين جلسة وأخرى دون أن يكون لتغييره تأثير أو تجريح لمشاعر الانتماء الالهي لدى الشعب.
ولهذا السبب أيضاُ تدرك التيارات الاسلامية الديمقراطية أن مستقبل دولة الدين هو الدمار أو الحرب الاهلية، فتتبنى نظرة أكثر واقعية، وتطالب بعلمانية الدولة مع ضمان لحقوقها الدينية والحرية الدينية.
كيف تستطيع هذه الاحزاب الاسلامية إذن أن تخدم العراق؟
لو راجعت الاحزاب الاسلامية العراقية أجندتها بتمعن، ستجد أنها اليوم وأكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى عقد مؤتمراتها، لإعادة صياغة الاستراتجية العامة. فهي إن كانت تريد مصلحة العراق وسلامة العراق لن تتأخر في إكتشاف حقيقة صريحة، وهي أن عليها أن تتحول من منهج كلاسيكي ديني صلب إلى منهج ديمقراطي مرن مبني على أساس تقبل الاخر، وقبول أن كل شئ في السياسة قابل للتغيير لأنه معرض للخطأ وبالتالي بحاجة إلى إصلاح.
وما تجربة التيارات الديمقراطية المسيحية في الدول الغربية إلا تجربة جديرة بالنقاش، لأن القرون الوسطى التي جلبت للشعوب الاوروبية الويلات والدمار بإسم الدين كانت كافية بأن تعي هذه التيارات ضرورة فصل الكنيسة عن السياسة. والامر نفسه يمكن أن يطبق على الاحزاب الاسلامية العراقية. فهي إن لم تتحول نحو المنهج الديمقراطي الذي يعتمد على مبدأ فصل الدين عن الدولة والجامع والحسينية عن السياسة، فهي تحفر قبراً جماعيا لشعبها أكبر من كافة القبور التي حفرها صدام حسين، وأكبر من ويلات القرون الوسطى.
فعسى أن تتمخض التجربة الديمقراطية العراقية للعام القادم عن تبلور الفكرة والايمان بضرورة بقاء الديمقراطية والحرية ومبدأ قبول الغير كأهدافٍ أساسية لكافة الاحزاب العراقية. فلا يتكرر قرار مثل القرار 137 السيئ الصيت في أروقة الجمعية الوطنية المؤقتة.
وعسى أن تلجأ كافة الاحزاب العراقية، مثلما هو معروف في كافة الدول الديمقراطية، إلى عقد مؤتمراتها قبل الانتخابات أولا لإختيار قياديها بشكل ديمقراطي... لأن قيادة أي حزب إن لم تكن مختارة بإسلوب ديمقراطي من بين صفوف الحزب، لن تؤمن بديمقراطية حقيقية في عموم الوطن... ولهذه الجزئية صلة