قراءات موضوعية في نتائج مؤتمر شرم الشيخ 

الدكتور خليل أبراهيم آل عيسى 

جاء مؤتمر شرم الشيخ تحصيل حاصل لحزمة من التفاعلات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط على أثر وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وأنهاك المقاومة الأرهابية المعارضة في العراق وكان فوز الرئيس الأمريكي جورج بوش دفعة أضافية للتأكيد على سياسته في العراق وأفغانستان ولهذا أرادت أمريكا في هذه المرحلة أن تجلس على طاولة واحدة مع معارضيها لتظهر تصميمها الحازم على تنفيذ أجندتها السياسية بالكامل في أدارة حربها ضد الأرهاب في العالم بعد أحداث 11 سيبتيمبر 2001م المأساوية وكانت حرب التحرير في دولتي العراق وأفغاستان من أهم  أولويات الأستراتيجية الأمريكية في أدارة حربها العالمية لأجتثاث فكر وثقافة الأرهاب حسب تصوراتها مقر خزينها منطقة الشرق الأوسط والأدنى.

 ولذا كثفت جهودها العسكرية والأستخباراتية  بشكل أساسي على التخلص والى الأبد من رأسي الحربة للأرهاب العالمي المتمثلة بحكومة طالبان الأسلامية المتطرفة والمتحالفة مع قادة القاعدة والوهابية السلفية بزعامة أسامة أبن لادن  وكمرحلة لاحقة بعد أنجاز المرحلة الأولى في أفغانستان ضرورة التخلص من نظام صدام حسين البعثي الفاشي وأحلال محله البديل الديمقراطي الفيدرالي ليكون نموذج سياسي يحتذى به ومن ثم تعميمه في ما بعد في محيطه الأقليمي العربي-الأسلامي الغير ديمقراطي وبهذا ستتحقق أستراتيجية أمريكية جديدة والمسماة بدمقرطة الشرق الأوسط وثم الأنتقال الى شرق الأوسط الكبير بعد حلحلة القضية الفلسطينية والوصول الى سلام بين دول المنطقة وأسرائيل.

توقيت مؤتمر شرم الشيخ كان هو مطلبا وتصميما أمريكياٌ قبل أن يكون بأرادة الحكومة العراقية الأنتقالية والأغلبية الصامتة من الشعب العراقي ولكنه شكٌل بحد ذاته فرصة تأريخية  لجميع اللاعيبين في المشهد العراقي وخصوصا الطرف الذي يدعم ويشرف على نشر الأرهاب في عراقنا الحبيب .

 وأن المغالات في التطرف والحقد لقوى المعارضة للنهج الديمقراطي الجديد ]  [  والتي رفعت شعار المقاومة المسلحة ضد الأحتلال وأغلبية الشعب العراقي   لن تتوفق بأستغلال هذا المؤتمر  سياسياٌ وتحقيق ماتصبوا أليه من أهداف ومشاريع مشبوهة أصبحت للعراقيين واضحة وتتلخص بالنقطتين التاليتين:::.

1-تأجيل الأنتخابات العامة الى شعار آخر لأجل العمل على تعقيد الوضع العراقي ودفعه بالتورط في حرب أهلية هي تعتقد واهمة بأنها ستربح هذه الحرب

2-الحصول على أجندة سياسية-زمنية لأنسحاب القوات المتعددة الجنسية من العراق لتكسب جولة سياسية عراقية وتدعي بنجاعة ضرباتها لهذه القوات وتبرر القتل المتعمد للعراقيين وأستهداف البنى التحتية الأقتصادية -الأجتماعية ذات البعد الطائفي العنصري وهذا التوجه مدعوما بشكل رسمي وتتبناه كافة الدول التي عارضت حرب أطاحة الطاغية صدام من الدول العربية -الأسلامية والأوروبية وفي مقدمتها دولة فرنسا.

ومن يراقب الأستراتيجية الأمريكية في الميدان العراقي بدقة خلال 19 شهرا وكذلك طبيعة الضغوط  السياسية الموجهة ضد معارضيها الأوروبيين ]فرنسا وألمانيا [ نستنتج أنها لن تسمح لنفسها أطلاقاٌ أن تفشل أستراتيجتها ومساعيها المرسومة في العراق والمنطقة ولن تخرج من العراق أطلاقا دون توفير له مظلة قوة سياسية حامية لمنجزاتها وما أستثمرته وهي عازمة على تحقيق الشعارات السياسية الكبيرة المعلنة والتي رفعتها خلال حرب تحرير العراق وتتمثل بنقطتين التاليتين::::

1- أحلال الديمقراطية ]حكم الأغلبية [ في العراق كبديل أستراتيجي  لمعادلة الديكتاتورية الفاشية الحاكمة بواسطة شن الحروب المحلية والأقليمية  وفاشية حكم شريحة الأقلية السنية العربية التي رفعت شعار القومية العربية زوراٌ كشرعية لتشبثها في حكم العراق لمدة 83 سنة.

2-فرض الأمن والأستقرار في كافة ربوع الأرض العراقية حتى يتسنى لأبنائه أعادة أعمار العراق والعودة به الى وضعه الطبيعي في الأسرة الدولية .

أستطاعت أمريكا أنجاز الكثير من الأهداف الغير المعلنة في حربها في العراق نذكر بعضها كالآتي:::

1- أستطاعت أمريكا بنجاح أستقطاب وجلب أكبر عدد من الأرهابين الوهابيين من العرب والأجانب لمنازلتها المسلحة  في العراق وأصطيادهم والتخلص منهم وهي تعرف جيدة مدى كراهية والعداوة التي  تركتها لدى العناصر والمتعاطفين مع القاعدة والمتزمتين العروبيين من المتعاطفين والمؤمنين بالفكر الوهابية السلفية التكفيري وهم منتشرون في دول الخليج العربي وبقية الدول العربية -الأسلامية على أثر توجيه الضربات القاسية الى بؤر وميليشيات حكومة طالبان في كابول ومطاردة قادتها أسامة بن لادن والظواهري في جبال طابورا وغيرها .

وهذا مما دفع الآلاف من أتباعهم الشباب الضالة السذج ] من دول سوريا ,أيران

,السعودية,الأردن ,فلسطين ,لبنان , اليمن ,السودان ,المغرب ,أفغنستان ,الشيشان [ التوجه الى حرب الجهاد المزيف لمقاتلة الأمريكان والعراقيين العزل الذين أيدوا الأمريكان ] أغلبية الشعب العراقي [ في أطاحتهم للطاغية صدام وجلاوزته.

2-أستطاعت أمريكا وبنجاح كبير لجس نبض الشارع العراقي من خلال أستدراجهم بواسطة السياسة السائبة والتحلي بالصبر الطويل تحت شعار ]على العراقيين أن يمارسوا حرياتهم بعد رحيل الطاغية وزبانيتهم من السلطة [ كانت تريد التعرف على الخارطة السياسية العراقية الحقيقية ومواقع التهديد الآنية والأستراتيجية وتميزت بنوعين من القوى ::.

أ- القوىالتي لجئت الى المقاومة المسلحة الهادفة الى الأنقلاب على الديمقراطية والعودة بالعراقين الى الديكتاتورية مرة أخرى  الأسلامي الشيعي-السني وهذا ماحدث فعلا حيث برزت قوى سياسية أسلامية جديدة كحركة مقتدى الصدر مقرها الجنوب العراقي  وهيئة علماء المسلمين في المثلث التفخيخي وأنضم تحت لوائهما كل من بقايا فلول النظام البائد وخلايا القاعدة .

ب-القوى التي ألتزمت بالبراغماتية العراقية وأتخذت من المقاومة السلمية ضد وجود الأحتلال الأمريكي وهنا تضم معظم الطيف الديني والسياسي العراقي والذي هو وراء أدارة الدولة العراقية في الوقت الحالي وهذه مساحة تحتاج أمريكا أن تقوم بترويضها وأخضاعها الى أختبار المرحلة التي تعقب  الأنتخابات هل تلتزم بقواعد اللعبة الديمقراطية أن كانت في موقع المعارضة أو السلطة؟؟؟؟.

أن أنعقاد مؤتمر شرم الشيخ في الوقت والمكان المحددين أمريكيا وتنفيذ الأجندة السياسية المطلوبة على أساس الحصول على دعم دولي للأعمار العراق وفرض الأمن والأستقرار من خلال الحصول على تعاون الدول الأقليمية وبشكل خاص من دولتي أيران وسوريا والأهم من هذا فقد حصل العراق من هذا المؤتمر على دعم جميع الدول والمنظمات الدولية المشاركة للأنتخابات العامة ودفع الديمقراطية بقوة الى الحياة السياسية العراقية وتعتبر هذه النقلة السياسية بمثابة الضربة القاضية الأستراتيجية للمعارضين العراقيين للأنتخابات القادمة وتمثل بوفد حارث الضاري المتواجد في كواليس مؤتمر شرم الشيخ والذي خسر هذه القضية وكذلك ورقته الخبيثة الأخرى بعدم مطالبة المؤتمر بأجندة أنسحاب للقوات المتعددة الجنسية وهذا يعني أن الحرب الطائفية الذي يريدها حارث الضاري ومن ورائه أيران وسوريا وفرنسا في حالة حدوث فراغ لمظلة ضاربة تحمي الديمقراطية في العراق والمتمثلة بالأنسحاب القوات الأنجلو أمريكية لن تحدث وخرج ومن معه من مؤتمر شرم الشيخ فاضي اليدين وفي المقابل أكتسبت حكومتنا العراقية الأنتقالية الشرعية الدولية وشعبنا دعم دولي وشرعية للأنتخابات عالميا والتي  ستعقد في وقتها المحدد في

30 /1/2005م وألتزام سياسي من أيران وسوريا لتتعاون مع العراق للقضاء على الأرهابيين ويعتبر مؤتمر شرم الشيخ سابقة سياسية ورسالة قوية للرئيس جورج بوش وأدارته ليؤكد من جديد لدول وشعوب الشرق الأوسط على أن أمريكا حازمة على محاربة ودحر الأرهاب الوهابي -السلفي في العراق والمنطقة العربية وستحاول أمريكا أن تفرض الديمقراطية وتحكمٌها في العراق وأن مسيرتها منذ أطاحتها بدكتاتور العرب الطاغية صدام وأنجازاتها في أفغانستان والعراق تسير بخطط مدروسة على أحسن مايرام ونجحت بتقليم الأظافر الأسلاميين المتطرفين في النجف والفلوجة ولن تخالف أمريكا وعودها للشعب العراقي لحد الآن وهنا تريد أن تقدم فعلا نموذج العراق الحر الديمقراطي  في المستقبل القريب الى الشعوب العربية التي تحى حياة العبودية في ظل الأنظمة الديكتاتورية المستبدة .

أن أدارة جورج بوش هي الآن قادرة للعب في الظروف السياسية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط حيث البيت الفلسطيني يحتاج الى ترتيب أوراقه الداخلية وسوريا قد أستجابت للترويض والضغوط ولكن عن عدم قناعة وكان القرار الدولي ضدها فيللبنان صفعة بوجه النظام السوري وهو أضعف مايكون موقفها السياسي في لبنان وتحاول أن تتظاهر للأمريكان بأنها متعاونة مع العراق في ضبط حدودها.

 و اليوم  أيران أصبحت أكثر ترويضا من قبل بعد تقديمها قائمة من التنازلات في ملفها النووي وهذا مما أدى الى تهشيم جبروتها في العناد والتعنت في أطار المواجهة داخلياٌ للشيطان الأكبر  أمريكا والأخيرة  تحاصرها وتحشد جيوشها على بعد أمتار شمالا وجنوبا الخليج العربي الى العراق الى تركيا وأفغنستان وأذريباجان وتراقبها بألأقمار الصناعية  وهذا مما يساعد أمريكا في التحرك بحرية في أدارة ملفات المنطقة المؤجلة والمنتظرة الى حل عاجل ولكن على الأنعزال التام .

وأخيراٌ كسبت أمريكا جولة صراع أستراتيجي وهيمنة نفوذ دون منازع في العالم  ضد أحد أهم وأقوى معارضة سياسية دولية بقيادة دولة فرنسا التي تزعمت جبهة دولية عارمة ضد شن حرب الأطاحة ضد الطاغية صدام فقد أستسلمت فرنسا في مؤتمر شرم الشيخ الى قدرها أن تستجيب الى تساؤلات أمريكية بخصوص الشأن العراقي  وضرورة مساعدته في ضبط الملف الأمني وأعادة أعمار العراق ومساعدة العراقيين ببناء نظام ديمقراطي ومن أهم الخطوات الواجب دعمها دعم الأنتخابات العراقية ويعتبر مؤتمر شرم الشيخ بالنسبة للفرنسيين فتح صفحة جديدة للتعاون مع النظام الديمقراطي الجديد والمشاركة في تخفيض الديون وأعمار البلاد وهذا هو النصر المؤزر للديمقراطية ضد أعدائها التقليديين والجدد في العراق ومحيطه.