الايزيديون في الموصل: قرابين الذبح والتقتيل والحرمان
بقلم: ميرزا حسن دنايي
منذ بضعة أسابيع تتناول الاخبار في مختلف وسائل الاعلام العربية والكوردية مواضيع ذبح عراقيين (مجهولين) هنا وهناك في محافظة الموصل، أو وجود جثث لمجهولين مرمية على هذا الطريق أو في تلك المحلة من مدينة الموصل.
وكلما تناولت الانباء خبرا مفجعاً كهذا، حتى رنت سماعة الهاتف بعد حين ليصلني خبر مذبحة جديدة بحق المواطنين الايزيديين العُزل، في نفس المكان المذكور....
وكأن وسائل الاعلام غير مكتفية بأن يذبح الايزيدية في وضح النهار، بل هم يجهزون عليهم لمنعوا أيضا نشر الخبر بشكله الصحيح، فيذكروا قتل (مجهولين) أو جثث مجهولين.... ويتساءل المرء عن سبب هذا التعتيم؟ ولماذا حتى وسائل الاعلام الكوردية والعراقية تمنع نشر اخبار المذابح التي تحصل ضد الايزيديين في محافظة الموصل؟
لقد طالت عمليات القتل الجماعي أكثر من 25 أيزيديا فقط خلال شهر نوفمبر، وكلها في وضح النهار وأمام أعين الناس، وبطريقة الذبح، وكأنهم يذبحون الخرفان.
جامعة الموصل أم جامع الموصل
ليس بخافي، أن جامعة الموصل تحولت في الفترة الاخيرة إلى وكر للأرهاب، فمنذ أن تسلم عدد من الارهابيين من البعثيين القدامى أو السلفيين الجدد رئاسة جامعة الموصل وعمادات الكليات، حتى إنقلبت الاوضاع راساً على عقب. حيث لم تمر فترة قصيرة حتى تم تصفية الاساتذة الليبراليين وغير الاسلاميين، فقتل من قتل وهرب من هرب إلى الخارج أو إلى جامعات كوردستان. ففقدت جامعة الموصل سمعتها كمركز إشعاع وتنوير إلى بؤرة لتصدير الارهاب، وأصبحتَ لاتصادف الدكاترة أو الاساتذة الجامعيين بل الملالي والوعاظ...ولكن وعاظ الشر، من البعثيين القدامى ومفكري الموت الجديد.
ولم يكن من الطلبة المسيحيين والايزيديين إلا وأن تركوا الجامعة وإعتكفوا في بيوتهم... فما يزيد عن 500 طالب جامعي من الايزيديين تركوا الدراسة في الجامعة وإلتزموا بيوتهم بعدما علقت نشرات على جدران الموصل يهددون بقتل الايزيدية...وطبعا الكورد عامة.
مديريتي تربية وصحة نينوى
آثرت حكومة اقليم كوردستان وبعد نجاح تجربة دروس الديانة الايزيدية في مدارس الاقليم على تطبيق هذا المنهاج في مناطق الايزيدية الاخرى كسنجار والشيخان.
وقد لاقى الامر ترحيبا شديدا في المنطقة، خاصة وأن منطقة سنجار كانت ممنوعة حتى من تداول الكتب باللغة الكوردية مهما كان نوعها.
ولكن مديرية تربية محافظة نينوى، لما هو معروف أن البعث الفاشي لايزال يحكمها، تمنع أن تأخذ المسألة قالباً رسمياً. فيمنع كتابة اسم الدرس ضمن الجدول. ويمنع تعيين معلمين ومدرسين في المدارس على هذا الاساس. والسبب أن الايزيدية ليست ديانة معترفة بها في العراق، وممنوع تدريسها.
فلم يكن من المدارس في القرى الايزيدية إلا وأن تعطي دروس الايزيدية بشكل إضافي أي (قاجاغ)، وتقوم مديرية تربية دهوك بصرف رواتب مؤقتة لبعض المدرسين والمعلمين لهذا الغرض.
أما مديرية صحة نينوى التي بدورها تحولت إلى (مركز إرشاد وفتوى) للفكر الوهابي. فتمنع أية مساعدات إنسانية من الوصول إلى المراكز الصحية في مناطق الايزيدية. وهي نفسها لاتفعل شيئا ولاتريد أن تفعل شيئاً لهذه المناطق. فتجد أن سنجار بعدد سكان يتجاوز 300 الف نسمة محرومون من أبسط مستشفى أو غرفة عمليات... ولنترك موضوع المواد الطبية جانباً، لأنها مسألة عراقية عامة، ولكن أليست جريمة إنسانية أن تموت مريضة حامل لأنها تحتاج إلى عملية ولادة بسيطة يمكن لأصغر مستشفى في أفريقيا أن يجريها، وكل ما هو مطلوب هو توفير صالة عمليات وطبيب. ولكن سنجار محرومة من ذلك. وما فيها من مراكز صحية لاتفي بأي غرض.
غرق قارب على نهر دجلة: أربعين ضحية من سنجار
في 30 نوفمبر وبينما كانت مجموعة عمال أيزيديين يتوجهون إلى كوردستان يقطعون نهر دجلة على قارب صغير، حيث أصبحت مدينة السليمانية المفر الوحيد لكسب العيش، و أصبحت مدينة دهوك وزاخو مركز التسوق البديل عن الموصل، بعدما قطع الارهابيون عليهم الطريق. فغرق القارب في وضح النهار وأمام أعير العابرين..
ولهذا القارب قصته المروعة. فمنذ سقوط النظام، إزدادت حركة المواصلات بين منطقة سنجار وكوردستان، ويعتبر هذا الطريق أقرب طريق من دون أن يمر الناس بالموصل أو تلعفر، حيث لاتتجاوز المسافة 100 كم، وطبعاً هو الطريق الاكثر أمنا. وهناك جسر عسكري في هذا المكان، من المفروض أن يتم تركيبه ليوفي بالغرض، وكانت حكومة أقليم كورجستان تعتزم فعل ذلك، إضافة إلى أن أساسات جسر آخر ضخم موجودة في نفس المكان، كان النظام العراقي يبتغي بناءه ليربط العراق بتركيا بدون أن يمر بكوردستان. ولكنها أساسات لم تكتمل ويمكن الاستفادة منها.
أما ما هو السبب في عدم تركيب الجسر وإتمامه، فهو ببساطة أن صاحب القوارب المدعو حميد ميراني رجل يكسب 1000 دولار يومياً من وراء نقل السيارات والبضائع والاشخاص، وهو يحتكر المعبر، ويمنع من خلال علاقاته الشخصية تركيب أي جسر على هذا النهر...
بل وصلت بهذا الرجل الوقاحة إلى إخراج ذلك القارب الذي غرق من قعر دجلة ومواصلة تشغيل القارب فوراً.. اما الجثث الضائعة في قعر الماء، فلم يكلف أحدهم نفسه بإخراجها أو البحث عنها.. وما الداعي، فهم أيزيدية... مجهولون وليست لهم قيمة ولن تكون لهم قيمة!!!
وحكومة أقليم كوردستان التي تضع مليارات الدولارات ميزانية سنوية، وتبيع الوطنيات على محطات التلفزيون بأنها لن تتنازل عن سنجار. ماذا تفعل من أجل ربط كوردستان مع سنجار؟ الجواب لاشئ. وبرامج التلفزيون ليست سوى للإستهلاك المحلي، لأن الشعب الكوردي من زاخو إلى خانقين لن يقبل أن تتنازل قيادته عن سنجار وأهلها. فلابأس أن تبث بين الفترة والاخرى بضعة برامج عن الايزيدية.
أما جسر بسيط لايكلف سوى اسبوع عمل، فممنوع تركيبه.. لأن هناك من يستفيد من هذا الوضع، ولايهم أن يغرق عشرة أو أربعين أو النصف مليون أيزيدي.
المشكلة أن هذه القوارب ليست صالحة للإستعمال، فهي مصنوعة بشكل بدائي وتفتقر إلى أبسط شروط السلامة. وليس فيها بالونات نجاة، وهي غير مخصصة لنقل الركاب.
ثم ماذا حصل بعد أن غرق كل هؤلاء؟ ماذا فعلت محافظة دهوك وحكومة الاقليم؟ لاشئ!
فلا صاحب القوارب تعرض إلى التحقيق القانوني. ولا حتى أسر الضحايا وجدوا من يجبر بخاطرهم في دهوك. طبعا فاللحم الايزيدي رخيص.
قضية ضم سنجار إلى إقليم كوردستان
كنا ولانزال في جميع المناسبات نطالب بضم سنجار إلى إقليم كوردستان العراق، ولكن يبدو أننا كمثقفين أيزيديين أكثر جدية من الواقع، وأن القيادة الكوردية ترى الموضوع من زاوية أخرى. فالوطنيات التي نسمعها بضرورة ضم سنجار إلى اقليم كوردستان لا يتناسب مع الواقع الذي نراه.
وحول هذا الامر بالذات، لي وجهة نظر في السياسة الكوردية. استنتجتها مما جرى في المفاوضات الكوردية مع النظام العراقي عام 1991 .
فالمعروف أن هناك مناطق عديدة متنازع عليها، وكانت وسوف تشغل أية مفاوضات تحدث على مرجعية هذه المناطق. وسوف توضع كركوك وخانقين وسنجار والشيخان في الميزان. وطبعا طبيعة أية مفاوضات تستند على مبدأ وضع الهدف الأصعب والتنازل تدريجيا لحين الوصول إلى النقطة التي لايمكن التنازل عنها. ولو عرفنا مسبقا أن كركوك هي النقطة التي لايمكن التنازل عنها، نستطيع أن نستشف الباقي. والمنطقة الاقل حظاً في المفاوضات والتي سوف يتنازل الكورد عنها –إذا ما تطلب الامر، هي سنجار. لعدة أسباب منها:
1. سنجار تقع في العمق، وهناك خط عربي من 20-25 كم يفصل سنجار عن حدود كوردستان المحررة. ويسكن هذا الخط العربي عشائر الشمر، منذ حوالي مئة عام أو أكثر، الذين تربطهم مع الايزيدية خاصة والكورد عامة علاقات حسن جوار وطيدة. وفي هذا الخط العربي (منطقة ربيعة وأجوارها) يقع مشروع ري الجزيرة، ولهذا فإن من المستحيل يتم شراء هذه الاراضي، أو فتح قناة برية تربط سنجار مع كوردستان، بدون المرور بمناطق الربيعة.
2. سنجار بقيت مهملة لمئات السنين، وبالتالي فإنها محرومة من أبسط وسائل خدمية وعصرية، ومسألة تعميرها وتأهيلها تحتاج إلى ما لايقل عن ملياري دولار. وحكومة اقليم كوردستان إن أخذت سنجار، فعليها أن تأخذها بهمومها. وإن كانت جادة في ضمها، كان عليها أت تخطو الان بعض الخطوات اللازمة للتمهيد لذلك.
3. الاغلبية الساحقة من الكورد في سنجار هم أيزيديون.. الذين ليس لهم قيمة او أهمية عند أية جهة سياسية. وليس هناك تأثير للأيزيديين بين القيادات الكوردية، فليس هناك على سبيل المثال عضو قيادة حزب من الايزيديين بين الحزبين الرئيسيين، رغم أن تضحيات الايزيدية في الحركة التحررية الكوردستانية معروفة ولاتقل عن تضحيات اخوتهم من الكورد الاخرين. بل العكس هو الصحيح، حتى القيادات المنطقية الصغيرة للأحزاب تتلاعب بالانسان الايزيدي وبمصيره. والمؤسف له أن الكثير من الاحزاب وحتى الشخصيات السياسية حينما تفعل شئ للأيزيدية تعتبره فضلاً عليهم وليس واجباً تجاه مواطنين من بني جلدتهم عانوا ما عانوه من ظلم وإضطهاد.
4. عدم تفهم القيادة الكوردية لمشكلة سنجار وخصوصيتها، وعدم إعطاء الفرص للناس لإزالة آثار التعريب وإزالة آثار غسيل الدماغ، وترك مسؤولين صغار في الاحزاب الكوردية يفعلون ما يشاؤون في سنجار دون شعور بالمسؤولية، جعل الناس يستنفرون من الاحزاب الكوردية. والمردود السلبي لهذه الحالة هي أن القيادات الكوردية أخذت الانطباع الخاطئ عن الايزيدية، كونهم يرفضون السلطة الكوردية... وهذا ما يجعل القيادة الكوردية تتصرف على هذا الاساس. وطبعاً سوف يكون من اليسير ترك سنجار وشأنها، إذا ما إستمر الامر على هذا المنوال.
المناوشات الجديدة بين بيشمركه البارتي وحركة الايزيديين في سنجار
قبل أيام قليلة قدم فوج بيشمركه تابع للحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى منطقة سنجار. وأول ما فعله الفوج هو الهجوم على مقر (حركة الايزيديين من أجل الاصلاح والتقدم) للإستيلاء عليه. فقام الشباب في الحركة برميهم بالنار وجرح إثنين من البيشمركه. وكان من تداعياته أن هرعت جميع العشائر العربية المجاورة ورؤساء هذه العشائر للوقوف إلى جانب الحركة، ليعاهدونهم بالدفاع عن الحركة الايزيدية ضد (المحتلين البيشمركه) كما يصفونهم...
هذه المسألة الخطيرة تحتاج إلى وقفة وتحتاج أن تدرك القيادة الكوردية أخيرا وقبل فوات الاوان: "أن ما هكذا يؤكل الكتف!!!".
فالمعروف أن هذه الحركة تتبنى منهج خاطئ إسمه (القومية الايزيدية)، وترفض أن تنضوي تحت لواء الاحزاب الكوردية. ولو راجعنا تاريخ نشأ الحركة نجد أنها كانت ردة فعل لحماقات إرتكبها مسؤولون في احزاب كوردية بحق الايزيدية، وطبعا التجاهل ونكران الحقوق المستمر.
وبدلاً من أن تتفهم القيادة الكوردية الحالة وتراجع أخطاء المسؤولين الصغار وتحاسبهم، ومن بينهم بعض المسؤولين الصغار من الايزيدية –الذين ربما كان السبب الاساسي منهم، كالمثل القائل أن دودة الشجر من الشجر- بدل من ذلك، يتم معاملة هذه القضية الحساسة وبأسابيع قبل الانتخابات بأسلوب عضلاتي.
طبعا المستفيد من هذه المناوشات ليس الحزب الديمقراطي الكوردستاني وليست حركة الايزيديين من أجل الاصلاح والتقدم، وليس الايزيدية وليست سنجار.... بل أعداء كل هؤلاء الذين يريدون أن تبقى سنجار ضمن حدود السلطة المركزية في الموصل... أي ضمن حدود التعريب، أي يبقى الحال كما هو عليه.. من حرمان وفقر وتجاهل.
وقد وردني خبر اليوم أن الحركة الايزيدية من أجل الاصلاح والتقدم قد منحت بيشمركه البارتي فرصة بضعة أيام للخروج من المنطقة وإلا فسوف يبدأ القتال بينهم ويخرجون بالقوة كما حدث عام 2003 بعد سقوط النظام، حيث تم رميهم بالحجارة.
وأخشى ما أخشاه أن تشتد هذه المناوشات، ويذهب الابرياء ضحية هذه الحماقة المزدوجة. لقد آثرت أن أكتب عن هذا الموضوع الخطير جداً، لأنني أخشى أن يخفي المسؤولون الصغار للحزب الديمقراطي على قيادتهم خطورة وجدية المشكلة. وبالتالي يحرمون على القيادة إتخاذ قرار حكيم لحل المشكلة بدلاً من تفاقمها.
* المقال الاسبوعي لصحيفة قنديل www.qendil.net