المشهــــــــد الايزيــــــدي

صبحي خدر حجو

         انطلق الايزيديـون بعد التحرير وسقوط الصنم في 9 أيلول 2003 غيرمصدقين بتحررهم من الفاشية المقيتــة ، يغرفون من فضاء الحرية ما وسعهم كبقية خلق الله في العراق ، محاولين ان يعبّروا عن انفسهم بشتى الاشكال والوسائـل المتاحتة امامهم . في البداية انطلقت الافكار التي كانت حبيسة لسنين كثيرة ، وكان البعض من هذه التعبيرات منسجمــة مع الواقع والظروف المعاشة ، والبعض الاخر بعيد ومتناقض معهما . والى جانب ذلك انطلقت المجاميع الثقافيـــة والاجتماعية للمجتمع الايزيدي نحو التنظيمات السياسية والثقافية، كل شريحة اجتماعية تريد ان تعبرعن نفســـها وتلتحق بما يشبهها وينسجم معها كرديا او عراقيا ، او تستظل بظلها و تضم جهودها لها للدفاع عن مصالحهـــا الاقتصادية والاجتماعية ، في خضم العملية السياسية الجارية في كردستان والعراق ، والتي تتخذ اشكالا ووسائل مختلفة باختلاف وتنوع  تلك المصالح والافكار . عليه فقد نشأت مجموعات  فكرية متعددة اتخذت لنفسها اشكالا تنظيمية معينة والبعض الاخر اندمج بما هو متواجد على الساحة . وكانت هذه الحركة والنشاط يعبران عن ظاهرة صحية وسليمة ، وان كان البعض يرى في انها شتتت المجتمع الايزيدي وفرقته وزادته انقساما على انقسام ! . لكن في واقع الحال ان ما جرى ما هو الاّ امر طبيعي وكان يجب ان يحدث . فهكذا كان حال جميع المجموعات العراقية بكل تكويناتها القومية والدينية والمذهبية ، اذ ان لكل من هذه التشكيلات عدد لا يحصى من التعبيرات الفكرية والتنظيمية وجميعها تدور حول محور واحد وهدف واحد ، يتركز في كيفية الوصول الى الجمهور  وتحشيده حول شعاراتها وكسبه بالتالي الى صفها . علما ان البعض من هذه التنظيمات والتكوينات وبخلاف الايزيدية  تمتلك خبرة وامكانيات واعدادا بشرية كبيرة وفطاحلة من المثقفين ، ولكنها مع ذلك   منقسمة على نفسها بين تعبيرات عديدة ومتناقضة احيانا . وبالتأكيد هذه هي سنّة الحيـــــــاة والتطور ، وهي ( السنن ) تنسحب بطبيعة الحال على جميع تكوينات المجتمع مهما كان عددها او قوتها او امكانياتها لافرق في ذلك .

     ولهذا فان التشكيلات الفكرية وتجسيداتها التنظيمية التي نشأت بين الايزيدية ، ما هي الاّ تعبير طبيعي عن مجموعة من شرائحها  الاجتماعية والثقافية . ولكن وبسبب ان االايزيدية هم اقلية دينية ولهم خصوصياتهم ، والحساسية المحيطة بوضعهم ، فانهم بحاجة ماسة اكثر من غيرهم  لنوع من التآلف والتوحد ، على ان لا يؤثر ذلك  على التنوع الفكــــري والتنظيمي الصحي الناشئ . وربما يتساءل البعض لماذا هذه الوحدة وما هي اهميتها وضرورتها ؟ ان جواب ذلك يكمن في ان تكوينات  المجتمع العراقي برمتها قد تعرضت  الى هزة كبيرة بعد سقوط النظام المقبور ، والكثــــير مـــــــــــن التشكيلات  السابقة قد انهارت ، وتطلبت الضرورة ان تنشا محلها تشكيلات اخرى جديدة . والبعض منها قد تشكل فعلاا و الاخر في طور الانشاء والتشكل . وتجري الكثير من الحركة والمساومة والتوحد والتفرق في عملـيـــــة اعـــــــــادة التشكيل هذه . ويمكن القول ان الامور وحدود الاشياء لم تثبت  لحد الان ، ما دامت الاوضاع والحركة غـيــــر  مستقرة. وليس من الغرابة في شيئ  ايضا  ان تلجأ بعض القوى  والكيانات  الى اساليب غير مشروعة  وغير طبيعيــــة فـــــــي محاولاتها لأن تستحوذ على هذا الكيان او ذاك ، او ان تزيد مساحتها على حساب الاخرين . وهذا ايضا امر طبيعــــــي اذا ما اخذنا وضع البلد غير المستقر  بنظر الاعتبار، وكوننا قليلي الخبرة في ممارسة لعبة الديمقراطية واحيانا عديـــدة انعدام هذه الخبرة اصلا ، اضافة الى الصراع والتداخلات الاقليمية والدولية الجارية في البلد .

       اذن لكل هذه الاسباب ولغيرها كان لزاما على الايزيديين ان ينظروا  بجدية اكبر ومسؤولية  اعلى الى قضـيـــــة وحدتهم  والتي تفتقد حاليا الى الحد الادنى من التلازم والتماسك ، في هكذا اوضاع يعيشها البلد وتتقرر فيها المصائـــر!

ان الاوضاع الاستثنائية الحالية والمخاطر المتولدة عنها ، كان يجب ان تدفع بالايزيديين الى نوع من التنسيق اعلــــــى وافضــل بكثير مما هم عليه ، والى التحلي بالشعور بالمسؤولية العالية ازاء انفسهم ومجتمعهم ، حفاظا على كيانهــــم وخصوصيتهم  التي حافظ عليها الآباء والاجداد  واوصلوها  لنا  الى هذه المرحلة ، مضحين وصامديــــن امـــام الفرمانات والمآسي والكوارث التي اوقعوها بهم  .  بينما نحن لا نستطيع ان نثبّت لارواحهم آهليتنا للحفاظ علــى الامانة  بسبب  انانيتنا  المفرطة  وتغليبنا  لمصالحنا الخاصة على العامة !!.

  مَنْ هو المعني بهذه الوحدة ؟

     صحيح ان المجتمع الايزيدي  برمته  مسؤول  ومعني بهذا الامر تماما ، ولكن هذا الاطلاق هو عمومي لا يصــح الاعتماد عليه . من المؤكد ان هنالك مجموعات اجتماعية  محددة تتحمل  المسؤولية الاساسية ويقع على عاتقها ان تقوم  بهذه  المهام الملحة والمطلوبة للغاية . فمن تكون  هذه القوى ؟ :

  1 – القيادة الروحية والدنيوية المتمثلة بالمجلس الروحاني الاعلى والامير تحسين سعيد بك امير الايزيدية . وللاسباب التي يعرفها الايزيديون ، فأن المجلس الروحاني لا يؤدي المهام الملقاة على عاتقه منذ زمن بعيد ، ومن الانصاف القول انه لم يفسح له في المجال لأن يؤدي واجبه  المكلف به . والحق يقال ان القيادة الفعلية هي للامير تحسين بك فقط . وبعـد  سقوط النظام ونشوء الوضع الجديد ، باشر الامير ، خاصة في منطقة سنجار بالترويج لاتجاه حزبي كردي  معين، مما ساهم في زيادة عزلته عن اوساط واسعة من ايزيدية سنجار وانحاء اخرى ، وجاءت محاولة اغتياله الفاشلة في تلك الظروف الحرجة لتساهم هي ايضا في استجابته لضغوطات الامر الواقع ويرتكن الى جهة واحدة وسلم امره لهم  ولله ! . و كان الاعتقاد السائد بين الايزدية ، انه كان بامكان الامير وما زال حاليا ايضا ان يبذل جهدا اكبر واكثر في سبيل لم الصف الايزيدي ، من خلال تفعيل  المجلس الروحاني وممارسته لمهامـــه   والاتفاق مع رؤساء العشائــــر والوجوه الاجتماعية في مختلف مناطق الايزيدية . وكذلك الاستفادة القصوى من الشريحة الواسعة والمهمة للمثقفيــن بمختلف انتماءاتهم الفكرية  ، ودفعهم لأن يلعبوا الدور المحرك الايجابي بين شرائح المجتمع في ظل الاوضاع الجديدة. اننا نفهم ونعي تماما الصعوبات الناشئة امام مثل هذا الجهد ، ولكن باعتقادي كانت وما تزال امكانية تحقيق ذلك متوفرة لدى الامير ، خاصة ومن المؤكد ان هكذا تحرك سيلقى التأييد الواسع  من لدن جماهير الايزيدية وستكون له ظهيــــــرا  وسندا في تحركه . وهنالك تجارب سابقة عديدة كانت فيها الاوضاع اصعب مما  هي عليه الآن . ومن الضروري ان لا تذهب الظنون بالبعض بأن هذا ما هو الا ترويج . اننا نتحدث من واقع الحال ، وحتما لا يمثل  طموحنا باي شكل كان ان يلعب الامير تحسين بك كل الادوار وان تكون خيوط اللعبة كلها بيديه !! . ولكن الانطلاق هو من واقع الحال والذي ليس بالامكان تخطيه بقفزة واحدة . بينما طموحنا يتمثل في حده الادنى ان تتوفر قيادة كفوءة يلعب فيها المثقفون الدور الاساسي الى جانب الامير والمجلس الروحاني . وان تأخذ هذه القيادة بنظر الاعتبار المصلحة العليا للمجتمع الايزيدي .

2 – رؤساء العشائر والوجوه الاجتماعية . من المعروف ان النظام الفاشي كان قد اعاد العمل بالنظام العشائـــــــري واعطى له زخما كبيرا من خلال العطاءات والمغريات والرشاوى والتكريم و....الخ .منذ ما يزيد على العقدين مـــــن السنين . ومن الطبيعي ان يكون للعشائر والعشائرية دور هام حاليا في حركة المجتمع السياسية والاجتماعية وهــــــذا ما نلاحظه بوضوح تام . وهكذا الحال بالنسبة للايزيدية ايضا  فما  زال رؤساء العشائر لهم حضورهم وتأثيرهــــــــم الفاعل في المجتمع . ورغم صحة الاعتقاد السائد بان هؤلاء لا يهتمون سوى بما يضمن مصلحتهم المادية ويعــــــزز مواقعهم الشخصية ! . ولكن باعتقادي الى جانب هذه الحقيقة الساطعة تتوفر الامكانية لأن يترك المجلس الروحانــــي والامير والمثقفين تأثيرهم عليهم . بحيث يكونوا عاملا ايجابيا في تعزيز دور الايزيدية وزيادة تماسكهم ووحدتهــــــم، وهنالك تجارب ايجابية من الماضي ، كانوا قد لعبوا فيه دورا فاعلا وجيدا في الملمات والشدائد . 

3- المثقفـون .. من المفرح جدا ان تكون قد تضاعفت مرات عديدة  اعداد هذه الشريحة الهامة في المجتمـــع خــــلال السنوات الماضية ، واصبحت واضحة المعالم كشريحة وليس افراد فحسب ، تحاول ان تلعب دورا ما في الشأن الايزيدي ولكنه للاسف ما زال لم يرتقي هذا الدور بعدُ الى المستوى المطلوب  والمتوقع  منها . وانبرت  بعد الوضع الجديد مباشرة لتشكيل والانضمام الى جمعيات ومراكز وروابط ، يحاولوا من خلالها ترجمة افكارهم ورغباتهم فـــــــي احــــــــداث التغيرات المطلوبة ، وهو الامر الطبيعي والمتوقع . ولكنهم ما زالوا لم يتلمسوا بعد ولاسباب عديدة منـها حداثـــة  هذه التشكيلات الطريق الصحيح  لأن  ينسقوا جهودهم  وامكانياتهم في خدمة مجتمعهم . اذ انها ما زالـت متباعـــــــدة  واحيانا غير قليلة متنافرة عن بعضها . ويتفق الجميع على ان ما ينتظر المثقفين من مهمات رئيسيــــة نبيلـــة علـــــــى طريق تنظيم انفسهم ومجتمعهم والتأثيرفيه  هو اكثر بكثير مما هم فيه . وحتما ان الوصول الى تحقيق هذا الهدف يتطلب حضور الكثير من العوامل ، وعلى رأسها توفر  الاحساس   بالشعور بالمسؤولية وروح التضحية  والارتفاع بهما  الى المديات التي بامكانهما ان تحجّما الانانية الفردية التي يضع البعض انفسهم في دائرتها وعلى حساب مصلحة المجتمع .

4- المؤسسات الجمعية ( مراكز ، جمعيات ، روابط )

     يمكن اعتبار الايزيدية اقل فئات المجتمع خبرة في مجال العمل المؤسساتي ( الاجتماعي ) لا لعدم رغبتهـــــــــم او عزوفهم عن ذلك او قلة  ايمانهم بايجابياته ، وانما كانت الانظمة الدكتاتورية السابقة تحول دون ذلك . فالنظام البائد وعلى سبيل المثال لم يوافق على اجازة نادي لهم  !، وانتظرت المجموعة التي تقدمت بالطلب سنوات عديدة للموافقة عليه دون جدوى !! . ولهذا يمكن اعتبار ان التوجهات التي حدثت في هذا المجال من قبل مجاميع من المثقفين في الفترة الاخــيــرة جيدة لأن يصار الى اعتماد العمل المؤسساتي الذي بامكانه ان ينظّم امكانيات شرائح كثيرة في المجتمع ويكون بالتالــــي من اسباب رقيها وتقدمها . وعلى الرغم من الاهمية الفائقة لوجود هذه المراكز والجمعيات المتعددة الاسماء والاهـــداف والتي تعبر عن ممارسة لظاهرة صحية ، فهي ما زالت بحاجة  لأن تترسخ وتتجذر اكثر فاكثر، لكي تجد لنفسها مكانــــة مرموقة ليس بين المثقفين فحسب وانما في المجتمع الايزيدي برمته ، حتما سيلتمس المجتمع مستقبلا المردود الايجابـــي الكبير لنشاط هذه المؤسسات . ورغم ان  هذه المؤسسات  ما زالت  في بداياتها، ولكن  ذلك لا يعفينا  من التأكيد  علـــــى الاهمية القصوى التي تتطلبها المصلحة العامة لأن يصار الى التفكير والتوجه للتحري عن افضــل السبل للتنسيــــــــــق مع بعضها وتوحيــد نشاطاتها والاتفاق على الاهداف العامــة التي يمكن ان تساعد في توحيــد جهود وطاقات مختلـــــف شرائح المجتمع ، وتدفــع بهــا للانخراط في الدفــاع عن مصالحها  المشروعــة سواءا ما يتعلــق منها بانجاح الحركــــة المطالبة بالاصلاحات  الداخلية  الضرورية . او الحقوق التي يجب ان يضمنها الجانبين  الكوردستاني والعراقي .                                                        

     باعتقادي ان تفعيل هذه العوامل وتناغمها مع بعـض ، والاستفادة من امكانيات كــل القوى الخيرة والطيبيـــــن واصدقاء الايزيدية في كوردستان وفي العراق ، سيجعل بالامكان بلوغ الايزيدية لوحدة حقيقية تكون محط احترام الاصدقاء وكل القوى الاخرى . ولنعلم ان كل تجارب العالم قد اكدت بما لايقبل الشك بان اية امة مهما كانت كبيرة لن يكون لها جدوى ولا تكتسب الاحترام  اذا  لم تكن موحدة  !؟ . وبقدر ما نعمل من اجل وحدة الايزيديين علينا ان نمارس بذكاء ونجاح فن التعامل والحوار مع الاطراف الاخرى ، والاستفادة من الظروف والوقائع المتغيرةعلـــــى الدوام ، ولا يمنع ذلك من الدخول في سياسة التحالفات  التي تضمن حقوقنا ومصلحتنا على المديين القريب والبعيــد .

وعلينا ان نحذر ونتجنب سياسة الاستناد الى طرف او جهة واحدة ، او كما يسميه السياسيون وضع بيضنا في سلــة واحدة ، فربما تسقط هذه السلة في يوم ما ويتفرق  البيض شذر مذر ، اذا لم يتكسر كله طبعا كما يقول المثل .

ان الاوضاع التي تمر على العــراق حاليا تشهد نشاطات هائلــة وكثيفة وبكــل الاتجاهات  ، والانتخابات علــــــى الابواب ، والجميع يؤكد على انها  مصيرية  ، لان الجمعية الوطنية القادمة ستضع  الدستور الدائم ، الــذي بدوره سيمتد تأثيره لمديات بعيدة . ويلاحظ  ان جميع القوى في حركة دائمة ، كل يحاول ان يضمن لنفسه ما يبقيه لاعبــا على الساحة ،  او ما يغري الاخرين للتحالف معه و تبادل الفوائد ، الاّ نحن الايزيدية ، حيث بسبب فرقتنا وضعف قيادتنا ضاعت والتبست علينا الاتجاهات الصحيحة ، واصبحنا كمن وضع نفسه  في مهب الريح ،  وحصرنا  آمالنا في  ان يتصدق علينا هذا الطرف او ذاك  بوظيفة  او وعود ليس من ورائها طائل . واذا كان هناك من يحاول ان يقنعــنا بجدوى الشعارات الفضفاضة حتى وان كانت صحيحة ، نقول لكنها يجب ان لا تعلو على اهمية تطمين حقوق الانسان لايزيدي كمواطن  اولاً، وكديانة لها خصوصيتها ثانيا  ، وان من اهم معاني الديمقراطية وتجسيدها  ان يجري تمثيلنا  وفق نسبتنا للسكان في كوردستان والعراق ، وتضمين ذلك تشريعا ودستورا . وارى ان من صلب مهمات جميع القوى الديمقراطية عامة  والاكراد   بشكل خاص ان يعملوا على ضمان هذه الحــقوق ، فعن طريقـــها فقط  يمكن ضمـــــان بقاء الايزيدية  معززة ومكرمة كمجموعة كوردية عراقية اصيلة كما يصرحون بها على الدوام .

      لكن اعود واأكد ان المهمة الاساسية في الوصول الى هذه الطموحات المشروعة ،  انمـــا تقع على عاتقنا نحـن الايزيدية قبل أي طرف آخر . علينا ان نتلمس طريقنا ، وان نتحلى بقليل من الشجاعـــة وبمثلها من الاستعـــــــــداد          للتضحية ايضا . ودون ذلك لن تشفع لنا كل التبريرات والوعود  التي نحاول ان نقنع  انفسنا وجماهيرنا بها .