على
هامش المسلسل
العربي
(الشتات):
ما
يعرض من أحداث
وهمية يتناقض مع
أخلاقنا
الشرقية *
بقلم:
ميرزا حسن
دنايي
لم تكن
"زيادة
البهارات" في
أحداث مسلسل
(الشتات) الذي تعرضه
قناة المنار
الفضائية ضمن
برامج شهر
رمضان، لتحثني
على الكتابة.
ذلك المسلسل
السوري الذي تدور
أحداثه حول
المجتمع
اليهودي في
مطلع القرن
الماضي
وبداية تأسيس
الحركة
الصهيونية وسعيها
لبناء دولة
اسرائيل.
فتلك
المبالغة
مفهومة -ولا
أقصد أنها
مقبولة-، بل
ممكن تجاوزها
مازال ذلك جزء
من الحرب بين
ممولي/عارضي
المسلسل
وإسرائيل. والمبالغة
الدرامية، على
كلٍ، أمر أصبح
مألوفاً في
سيناريوهات
الافلام التاريخية،
رغم أن الدفاع
عن التاريخ
وموضوعية نقل
التاريخ هي
مسؤوليتنا
جميعاً.. ولكن
القضية هذه
المرة جزء من
الحرب التي مع
الاسف تبيح كل
شئ.
وهنا لا
أرغب الدخول
في تاريخية
النص، فإلى
جانب أن
(الشتات) يسرد
جزءاً من
التاريخ،
نراه أحياناً
يتحول إلى
دراما من فانتازيا
المسلسلات
السورية
الحديثة،
الغرض منها هذه
المرة هو تشويه
صورة اليهود
إلى أبعد حد
ممكن، حتى لو
إقتضى الامر
الخروج عن
الموضوعية،
فتم إختراع
شخصيات جديدة
ليس لها وجود
في التاريخ، وبالذات
شخصيات
درامية شريرة تفرز
كل شرور الانسان،
طبعاً بهدف
محاولة خلق
صورة معينة في
ذهن المشاهد، ألا
وهي أن الشعب
اليهودي لا
يعرف غير
الاجرام وانتهاك
الحرمات
والمقدسات، وان
اليهود في
الشرق والغرب
كانوا عالة
على مجتمعاتهم
وهم السبب في
كل مصيبة تحصل
على الارض وهم
السبب في كل
لعنة تسقط من
السماء على
بني البشر من
أدنى المعمورة
إلى أقصاها.
والمتتبع
الموضوعي
لتاريخ
اليهود
وتاريخ الصهيونية
يجد أن الامر
لم يكن بهذه
الضخامة. صحيح
أن مؤسسي دولة
اسرائيل قد
لجأوا إلى
أساليب
متعددة منها
الدهاء في
معرفة مكامن
الضعف في
السياسات
الدولية
وإستغلالها لصالح
قضيتهم، وتسخير
المال في خدمة
تحقيق حلمٍ
راودهم منذ أن
تفرقوا في
بقاع الارض،
وصحيح أيضاً -بشهادتهم
قبل أعداءهم-
أن بعض
الحركات
السياسية
اليهودية مع
الاسف قد
لجأءت أحياناً
إلى العنف
والارهاب بحق
شعبها وبحق
غيرها لتحقيق
أهداف معينة.
ولكن ذلك
لا يبرر برأيي
محاولة مؤلف
المسلسل خلط
صورة اليهود
كأمة وشعب ودين
سماوي أستمدت منه
الاديان المتلاحقة
رؤيتها وسنت المجتمعات
من وصاياه
العشرة (لا
تقتل، لاتزنى،
لاتسرق.....)
عقائدها
وقوانينها
الانسانية،
وخلط ذلك
بسياسة دولة
اسرائيل،
فتكون
النتيجة أن
المُشاهِد لا
يفرق بين
(الدين والشعب
والسياسة). فيتم
زرع الضغينة
والحقد في نفس
المُشاهِد الشرقي
الذي لم يعتد
بطباعه
البسيطة
السمحة على
الضغائن، وهذه
قمة التجني
على طبيعتنا
الشرقية التي
لا تشجع على
زرع الحقد
والكراهية،
ولو كان الربط
بين جرائم
نظام أو دولة
معينة وعقيدة
أناسها جائزاً،
لما إستطعنا
نحن
الشرقاوسطيون
أن نفتح أفواهنا،
لأن بيننا
أنظمة مجرمة
وقاتلة تمارس
كل أنواع
المحرمات
بإسم
الاسلام، رغم
أن تلك
الجرائم لا
تتفق و المبادئ
الاساسية
للدين الاسلامي.
ومع كل
ذلك، أقول أن ما
دعاني
للكتابة كان
حدثاً أو مشهداً
من الحلقة (التاسعة)،
حيث يضاجع أحد
أبطال
المسلسل
(حاييم) أخته
(جين)، وعلى فراش
المضاجعة،
تقول جين ان
الفعلة كانت
جريمة، لأن
داوود أيضا
عاتب إبنه
الذي ضاجع
أخته، فيبرر
حاييم "لأنها
كانت عذراء".
ويمضي المسلسل
حيث يتخذ
حاييم من اخته
زوجة أمام
اللورد
البريطاني.
والأرجح أن
القصة كانت
ضمن "بهارات"
المؤلف.
وهذه
الجزئية هي
التي تستحق
الوقوف عندها
بالفعل. فعرض
مثل هذه
المشاهد
المنافية
للأخلاق
الشرقية
والمنافية
للدين وبالذات
في شهر مقدس
لدى المسلمين،
حتى ولو كان
القصد هو "العدو"،
يعتبر جريمة
بحد ذاتها. فلهذا
السيناريو
وجهان أحدهما
أقبح من
الثاني، فأما
الاول فهو عرض
ظاهرة جنسية
شاذة ومحرمة
دينياً
وإجتماعياً
ويعاقب عليها
بالموت في
كافة
المجتمعات
الشرقية. والوجه
الثاني هو
تبرير
السيناريو لتلك
العلاقة
المقيتة بنص
ديني ورد في
التوراة، عن النبي
داوود، الذي تجله
الاديان
الكتابية
الثلاثة.
والوجهان
(الجريمة
وتبريرها)،
إضافة إلى أن
المسلسل موجه
إلى المجتمع
العربي
المسلم، سرعان
ما يثير في
ذاكرة
المشاهد قصة
أبو الانبياء (إبراهيم
الخليل) أبي
إسماعيل وجد
النبي محمد (عليهم
جميعاً
السلام)، لأن
النبي
إبراهيم كان
متزوجاً من
أخته من أبيه
(سارة)، وتأتي
كافة الكتب
الدينية على
ذكر ذلك، وقصة
لوط الذي ضاجع
بناته وهو سكران...
ومن
الناحية
النفسية، فإن هذه
مبررات أخرى
لجعل وجود
جريمة (الجنس
مع المقربين)
حالة "مألوفة"
الذِكر، خاصة
وأن مثل هذه
القصة تتكرر
على شاشة التلفاز
بوجوه أبطال
المسلسل
(حاييم وجين)
اللذان
يدخلان
البيوت من
المحيط إلى
الخليج، وكون المسلسل
ليس موجهاً
للمجتمع
الغربي أو
الاسرائيلي،
وإلا لكان
مترجماً أو
مدبلجاً إلى
لغات أجنبية،
فهو يعني أن السموم
تفرز في داخل
بيت العربي-المسلم.
ولا أريد
تناول قضايا
ال ( Horror )
الموجودة
بشكل مبالغ
فيه في المسلسل،
حيث تنقل
بالصوت
والصورة وجوه
قاتمة وحاقدة
تقتل الاخ
والصديق،
الطفل
والمرأة والشيخ،
تقطع الاذان
ويسيل الدم، تلك
المناظر التي
علقت عليها
إبنتي
الصغيرة
-وعمرها 4 سنوات-
"بابا... أخاف
مشاهدة فيلم
قطع الاذن".
والغريب
في الامر، أن
يتم عرض مثل
هذه المشاهد
على قناة
معروفة
بإتجاهها
المتدين
المحافظ، في
حين لن تجرؤ
قناة عربية
ليبرالية
إستضافة عالم
نفساني أو
كاتب يفتح
موضوع الجنس
من زاوية
علمية بل حتى
ومن يتحدث عن
الجنس بالتمويه،
حيث سيقوم
القيمون على
القناة
الفضائية
ورجال الدين
بفتح نيرانهم
المحرقة إن
تجرأ أحدهم
وفتح مثل هذه
المواضيع،
فكيف إذن تعرض
الدراما
مسلسلاً
مقيتاً بطله
ينام في كل
حلقة بحضن
أخته، وتلازم
هذه الإطلالة
البشعة المشاهدين
الصائمين
طيلة أيام
رمضان؟ أفليس
من واجب المرء
حتى لو تحدث
عن أعداءه، أن
يتحدث بشئ من الصدق
والاخلاقية
والضمير؟
وإذا
قبلنا ذلك
جدلاً،
مبررين بأنها
الحرب
الاعلامية، أفليست
تداعيات
البُعد
النفسي موجهة
سلباً نحو
المُشاهد
العربي فقط
دون غيره،
فالمسلسل غير
مترجم، وهو
يدخل البيت
العربي فقط؟
ثم إضافة
إلى هذا وذاك،
أليس في
البلدان العربية
من المحيط إلى
الخليج مئات
الالاف من المواطنين
المخلصين ممن
يعتنقون
اليهودية،
ألم يكن
الاحرى بالمؤلف
لو قلل
"بهاراته"
بحيث يعرف المُشاهِد
القصد من
المسلسل، وهو
تشوية صورة
سياسة دولة،
لا التجني على
شعب مثل كل
الشعوب فيه
الكثير من
الخيرين
والقليل من
الأشرار. فماذا سمعنا
في الايام
القادمة، أن
تداعيات هذا
المسلسل جعلت
جاراً مسلماً
في بلد عربي ما
قد تهجم على
جاره اليهودي
المسالم
ليقتله، لأن
المسلسل قد
يوصل بعضهم
إلى قناعة أن
اليهود شعب
يجب أن يفنى
من الوجود،
لأنهم هم
السبب الوحيد
في البلاء
والجوع
والقتل والخيانة
والسرقة،
ربما يظن
البعض أن
اليهود هم
وراء ظلم
الحكام
العرب، وهم
المقابر
الجماعية التي
إفترشت
سراديب أرضنا
بدءاً من
العراق وإنتهاءاً
بما لانهاية.
_________________________________________
* تنويه
هام: لا
تنادي هذه
المقالة بوفق
عرض مسلسل
الشتات،
ولاتسعى إلى الدخول
في مجادلة حول
موضوعية
السرد التاريخي
للمسلسل،
ولكنها تذكير
بنقطة هامة
غابت مع الاسف
عن بال المؤلف
والمنتج، ألا
وهي أن الاعلام
في الحرب
مثلما يمكن أن
يكرس لتدمير
المقابل، فهو
إن استخدم
خطأ، قد يدمر
الصديق، وبرأيي
أن (الشتات)
كان "الحد
الآخر
للسيف"، أي أنه
جلب المردود
السلبي فقط.