العراق  الجديد  وهبوب  رياح  الديمقراطية

 

عهود  طويلة من  الظلم والقسر والاضطهاد ومصادرة  حقوق وارتكاب كل  انواع التجاوزات   مرت ، بطيئة كئيبة مثقلة بكل  آلامها ومعاناتها بحق جيل  او  اكثر  من اجيال  الشعب  العراقي شملت جميع  انسجته وفسيفسائه ، الا  ان إزر  هذه  المعاناة واشدها وطأة  تحملتها الاقليات المغلوب على  أمرها  مضاعفة.. وهي  ترسخ  تحت  نير العنف والعقاب والتهميش وضياع  الحق  حتى  حق  الحياة ، قامت  به  انظمة الحكم المتعاقبة  بشكل  عام  وان  اختلفت حيناَ مع  بعضها   بعض الشيئ ، وكان  آخرها  نظام  البعث  الفاشي المجرم .

 واليوم  بعد اعلان  اسماء اعضاء المجلس الوطني  التشريعي  العراقي المؤقت ( المجلس  التأسيسي  العراقي ) ، والذي من  خلاله  اشتركت  به معظم الاطياف  ممثلة  لمرجعيتها القومية والدينية  والآثنية  لأول  مرة  في  تاريخ  العراق  المعاصر،  وفهو يعني   جملة  ما  يعنيه  الاعتراف  الضمني بوجود كيانات ، هي  عراقية  الاصل والجذور ، وطنية  الاحساس،  ديمقراطية  النزعة فاعلة في  ميادين  الحياة  كافة  السياسية  والاجتماعية  والثقافية  والاقتصادية وغيرها  طالما غُيبت وجرى تجاهلها عمدا واعتبرت عراقية  من  الدرجة الثانية .

 

ومهما  قيل  عن آلية هذا  المؤتمر الانتخابي  ومهما  وجهت  للعملية السياسية المتخذة  من انتقادات  قد  تبدو  مصيبة ومنطقية للبعض  منها  الا  انها  بالمحصلة  العامة تخدم اهداف المستقبل  وتصب  ولأول  مرة في  سياق مفهوم العملية  الديمقراطية لمجموع  الشعب او  حتى  نسبة معينة  من  هذا  المفهوم رغم قناعة  معظم  المشاركين والمراقبين الحياديين  ان  العملية والنتائج  التي  تمخضت  عنها  تبدو رائعة وناجحة وفي  مسارها  الصحيح ، مع  الأخذ  بنظر  الاعتبار ظروف البلد المضطربة و كافة المعوقات  التي كانت  ولا  تزال   تواجه القائمين بهذا  النشاط السياسي  الكبير ، خاصة  الوضع الامني الخطير ،  والموجه  بالاساس  لعرقلة وايقاف المسيرة   الديمقراطية  وافشالها . تلك  الافعال  الاجرامية التي  قام  ولا  يزال  يقوم  بها  ازلام  العهد  القديم  ممن  فقد موقعه  وتأثرت  مصالحه من  رجالات  المخابرات  والامن واعضاء  حزب  البعث الفاشي  المجرمين ، وآخرين  بدوافع  الانانية   لمحاولة الكسب  الذاتي  منطلقين  من  مصلحتهم  الشخصية  مستغلين الوضع  السائد ، او  حتى  حب  الظهور وجلب  الانتباه  اليهم  كما  تقول المقولة -  خالف  تعرف -  او الذين  تغلب  عليهم  النزعة العشائرية الأخذ  بالثأر . ولا  ننسى  ابدا عناصر  الارهاب  العالمي المجرمة  القادمة  من  الخارج وهي تعبث فسادا بطول البلاد وعرضها  بحجج وشعارات واهية وكاذبة ، وبمسميات دينية وعروبية   مختلفة ، قامت  بارتكاب  ابشع  الاجرام  بحق  جماهير  الشعب  و جعلت من العراق  ساحة  لتصفية  حساباتها  مع  الغير،  واباحت  لنفسها هتك  سيادة  وحرمات  هذا  البلد  من  قتل  الابرياء ، وهدم  وتخريب ونهب الممتلكات وغيرها  من  الاعمال  الاجرامية ، بمساندة وتوجيه  دول  خارجية  لها  مآرب ونوايا  مصلحية  مبيته وخبيثة الغاية منها  التدخل  بالشأن العراقي. 

 

من  المؤكد  ان  الاخوة  الاكراد  والتركمان والاشوريين  والكلدان والايزيدين والصابئة  المندائيين والاقليات  والطوائف  الاخرى ، قد استبشرت  خيرا  بالنتيجة  التي  اتت  بها العملية  الانتخابية وتسمية  ممثليها بالمجلس العراقي  الديمقراطي ، وخاصة  تلك  التي جرى الاعتراف  بوجودها  لأول  مرة  في  تأريخ  العراق السياسي . ومن  المفيد في  هذا  المجال ان  نذكر  حقيقة  مهمة  وهي  لولا  اعتماد  الطريقة  التوفيقية اي  اسلوب  القوائم  لما  كان  بالامكان حصول  الاقليات على  من  يمثلها  في  هذا المجلس ، إذ  ليس  من  المتوقع   ضمان  من يقوم بانتخابهم او  منحهم الاصوات الانتخابية اللازمة  لو أن  العملية كانت  قد  جرت وفق  اسلوب  الانتخاب  المباشر  للاشخاص ، وربما بحجة  قلة عدد نفوس هذه  الطائفة او تلك  .

 

ومن  وجهة  نظرنا المتواضعة نرى ان  الديمقراطية  قد بدأت  تهب   رياحها  على  وادي  الرافدين وهي  تنير الدرب نحو  المستقبل  المزهر للعراق وهي  تتمثل  بالامور  التالية :    

1 0إن  مجرد  عقد  المؤتمر الانتخابي  وقبول حضوره من  قبل  المدعويين كافة  له  تظاهرة ونشاط  سياسي  جماهيري  مميز  يقع بالتاكيد  ضمن مفهوم  الديمقراطية.

2 0 ضمت  الوفود المشاركة كثير من العناصر المعروفة  بوطنيتها وذات ماض مشهور وخبرات سياسية  واسعة تؤمن  بالديمقراطية كاساس لأعادة بناء  العراق  الحر وتضمن مبادئ  حقوق  المواطنة وحقوق  الانسان العراقي  من  احزاب وطنية  تقدمية متعددة واشخاص   مستقلين لهم  تاريخهم  النضالي من  اجل  العراق واهله، وبالاضافة  الى عدد  من النسوة  العراقيات  المثقفات المعنيات بشوؤن المرأة ، وبعض  مؤسسات  المجتمع  المدني ،  وعليه  فان تسمية و حضور كل هذه العناصر في  تشكيلة  هذا   الجمع  الخير هو بلا  ريب  مظهر  من  مظاهر  الديمقراطية ، بل  هي  الديمقراطية  بعينها.     

3 .ان المناقشات الحادة والجادة التي  دارت  بين  الحضور ، والتي  سادتها اجواء  من المصارحة والشفافية  والاستماع  الى  الرأي والرأي الاخر رغم ما  شابها  من جدل  وصراع  فكري بين  الاطراف ، الا  انها  تعتبر  حالة  صحية  وممارسة  ديمقراطية  لم  يسبق  ان مارسها  اي  طرف  من  الاطراف المشاركة على  مدى  تاريخ  العراق  السياسي  اطلاقا  .

4 .ان  دعوة  الجهات  القومية  والطوائف الدينية والاثنية لحضور هذا  المؤتمر والاستماع  الى صوت ممثليها ، ولأول  مرة  في  تاريخ  العراق بل  في  تأريخ  المنطقة  العربية باكملها ،  يعد  نصرا  مبينا  للديمقراطية  والداعين  لها  حيث  اقرت هذه الدعوه  الحقوق المشروعه لكل  الاطراف  للمشاركة وطرح اراءها بحرية تامة في قضايا تهم مصير الشعب والمساهمة الفعلية مع ابنائه الاخرين في بناء مستقبل العراق السياسي والعمراني والاقتصادي والثقافي وغيرها .

 

بالاضافة  الى كل ذلك  هناك دروس عملية  وموضوعية كثيرة افرزها المؤتمر وان اهم  هذه  الدروس  يمكن  استنباطها واجمالها  بما  يلي :

توفر الوعي الكامل لدى  الجماهير المشتركة ، حول  أهمية  المرحلة  التي  يمر  بها  العراق في  الوقت  الحاضر، وضرورة  ايجاد الحلول  لجميع  المشاكل المطروحة حاليا  وفي  المستقبل القريب ، بالوسائل  السلمية والديمقراطية ، وان جميع الحضور  كانوا  تواقين  لأحلال  مبادئ  الديمقراطية ، ورفض  كل  وسائل العنف والاكراه والتهميش واستلاب الحقوق والغاء الطرف الآخر ، واحترام  حق  المواطنة وسيادة  القانون  ولا  احد  فوق  القانون .

وان  الآلية  التي  اعتمدها  المؤتمر  في  اعماله  من  الناحية  الشكلية  التنظيمية والألتزام بالتواريخ والاوقات كما  فرضها  قانون الحكم  الانتقالي السابق ،  واتَباع  طريق  الحوار المتمدن وغيرها من  الامور ، وكذلك   الناحية  الموضوعية  في  التوصل  لمناقشة القضايا  الهامة التي  تشغل  الرأي  العام العراقي  والعالمي ، لا سيما الحالة  الامنية ، والقتال  العراقي  العراقي واعطاءها  الاسبقية في التفتيش عن الحل السلمي  لها ، وتشخيص مهمات المجلس  الوطني  التشريعي  المؤقت ( المجلس  التأسيسي )  خلال  فترة  العمل المقبلة والمحددة له ، كل هذه  الامور سواء  أتت  بنتائج  ايجابية  او  سلبية في  البعض  منها ، الا  انها   بالتأكيد  ستغني   العملية  السياسية  التالية والتي  اهم   مراحلها  قانون  الانتخاب والاشراف  على  الانتخابات ووضع صيغة مشروع القانون  الدستوري ، واقرار موازنة  الدوله ،  وآلية مراقبة  اعمال  الحكومة ، وتشخيص  التقصير في الاداء ، ومحاسبة  المقصر ، واعمال البناء   والاعمار  للفترة  القادمة  وغيرها  من  المهام .

 

وحيث  ان الديمقراطية  لا  تاتي  توا  بل  هي  فكر ونص وممارسة  متواترة كلها  يجب  ان  يتوفر  لها  المناخ  المناسب وتحتاج  الى رويَة  وصبر  ووقت  وكادر  مؤهل علميا  وثقافيا  في  ظل  المؤسسات  القانونية التي هي  وحدها تؤمن ضمان و سلامة  التطبيق الامثل ، ولكي تستمر مسيرة  الديمقراطية بالشكل  الصحيح ، يجب على المعنيين ان  يقوموا  بتوسيع القاعدة  الشعبية  لها ، وبكلمة  اخرى  يجب  اشراك  جميع مكونات  الشعب  العراقي من عرب  واكراد وتركمان سنة  وشيعة وآشوريين  وكلدان وسريان   والطوئف  الدينية  الاخرى من الاخوة  الايزيديين والصابئة  المندائيين والارمن  والشبك الذين  بمجموعهم  يتألق الطيف  العراق الموحد المزدهر ، مع اعطاء  دورا رئيسيا  الى  مؤسسات  المجتمع المدني  وتفعيل  انشطتها الرقابية  بغية  ر صد  كل التجاوزات السلبية وفضحها وفق  القوانين  المرعية المحلية  والعالمية . وعليه لا  تصح الديمقراطية ابدا  بابعاد  او  تجاهل  اي عنصر  من هذه  العناصر وان  حدث  ذلك فهو  مخالف بل  خرقا   لمبادئها المعلنة وبالتالي  خرقا  للقانون .

 

 ولضمان سبل تنفيذ  هذا المطلب ، يجب  ان تدرج هذه  المكونات ومسمياتها  واستحقاقاتها   في صلب  نصوص  الدستور ،  وان  يشار  اليها صراحة  في  القوانيين  الوضعية المشرعة  في  عراق  المستقبل . وعندها  ستصان  حقوق  المواطنة  للجميع  دون  تمييز  او  تفريق . 

الا  ان  حقوق المواطنة لا  تعني توفر  وحماية الحقوق  فقط ،  بل  هناك مهمات  وواجبات  عديدة هي  من مسؤوليات المواطنين افرادا او جماعات  ملزمين على تأديتها وفق القانون.   وعليه يجب  على  الجميع  كل  من  موقعه  التكاتف والتآخي  والتلاحم والتعاون والمساهمة الجادة والحريصة  لبناء عراق  المستقبل ،  عراق حر ، يؤمن  العيش  الرغيد   لمجموع  الشعب ،  و يصون  حقوق  وحرية  وكرامة  الفرد  والجماعة ، بعد  ان  انهكته جسامة الاحداث ،  ودمرته  الحروب ، ادراكا منهم  جميعهم  لخطورة  الظرف  الذي  يمر  به هذا البلد  واليكن شعار  الجميع  ( الكل  للعراق  والعراق  للكل )

                      عربي  الخميسي

المشاور  القانوني لأتحاد  الجمعيات  المندائية  في  المهجر

عضو  منظمة  المجتمع  المدني  وحقوق  العراقيين