أسبوعية * ثقافية * مستقلة

مركز قنديل للنشر والاعلام
WWW.QENDIL.NET

رئيس التحرير

موقع بحزاني أيزيدي جروب للحوار

مهرجان قنديل الادبي

أخبار يومية

الارشيف

الاتصال بنا

دفتر الزوار

المقال الاسبوعي لصحيفة قنديل:

ماذا لو نجح الارهابيون في إغتيال الحكيم ومثال الالوسي؟

بقلم: ميرزا حسن دنايي*

 

في الايام القليلة الماضية، حاولت قوى الارهاب والظلام إغتيال السيد عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية. وبعدها بأيام كانت محاولة إغتيال فاشلة إستهدفت مثال الالوسي، رئيس حزب الامة العراقية. ولو رجعنا إلى خلفيات الموضوع، ربما سنفهم سبب تزامن محاولة إغتيال الحكيم والالوسي. فرغم إختلاف الشخصيتين الوطنيتين في توجهاتهما وأهدافهما ولكن ما يجمعهما هو الشكل الجديد لعراق اليوم والذي يتمثل بثلاث خواص:

 

الاولى: عراق ديمقراطي بنفوذ شيعي سياسي

نجحت القوى السياسية الشيعية في لم شملها ضمن القائمة الانتخابية الموحدة، إلى درجة أن بعض العلمانيين الشيعة إنطووا تحت لواءهم. فرغم كون القائمة الموحدة تمتاز بالنفوذ الواسع للتيارات الدينية، ولكن شخصيات أو تيارات علمانية إنضمت إلى هذه القائمة، بسبب القاسم المشترك الذي يجمعهم والمتمثل بالانتماء الشيعي، رغم قناعتهم أن سيطرة هذه القائمة في الانتخابات المقبلة، يعني أن هناك إحتماليات عدة لقيام التيارات الاسلامية بتمرير قرارات أو قوانين تتناقض مع مبدأ العلمانية نفسها، بل ربما ستتناقض مع مبادئ حقوق الانسان والحرية الشخصية –وخاصة حرية المرأة – ومبادئ المجتمع المدني، ومع ذلك فضل هؤلاء العلمانيون أن تكون هناك وحدة شيعية بغض النظر عن التفاصيل.

 

تجدر الاشارة هنا أن المجلس الاعلى للثورة الاسلامية هو التيار الاوسع نفوذاً في هذه الكتلة. وبمراجعة دقيقة لما حدث للمجلس الاعلى وسياسته بعد السقوط وخاصة بعد إستشهاد زعيمه الروحي آية الله العظمى محمد باقر الحكيم على أيدي قوى التكفير الظلامية. نلاحظ أن المجلس، والذي يضم في صفوفه أيضاً جناحاً عسكرياً متمثلاً بقوات بدر، ينقسم في قيادته إلى ثلاثة إتجاهات فكرية. منها إتجاها شيعيا صرفاً ترعرع في أحضان الثورة الاسلامية وآمن بنظريتها الفيلوسياسية، والارجح أن الجناح العسكري "قوات بدر" هو الذي يتبنى هذا الاتجاه. وهو  الجناح الذي يخيف بعض القوى الوطنية، كون هذا التيار يستورد نظرية إيرانية.

ولكن الواقع هو أن هذا الاتجاه الفكري إنما يشعر أن إنتماءه إلى الطائفة الشيعية التي تعيش منذ مقتل الحسين في غبن تاريخي أهم من حدود دولة تأسست في الربع الاول من القرن الماضي، وطبعا يدخل هذا الشعور بالغبن في اللعبة السياسية، فبينما يراه البعض أنها ظاهرة واقعية لمرحلة سوف تمتاز بالحرية، يراها المتشددون الوطنيون أنها تحمل خصوصية إيرانية، وأما القومجيون فكالعادة يضعوها في حقل الطائفية الهدامة. أما الرؤية الموضوعية، فهي أن خصوصية مثل هذا التيار تنطلق من موقف غير مدروس موجود في الشارع الشيعي يعتقد أن الخلاص قادم من خلال تبني هذا المبدأ. ولهذا فإن معالجة هذه المسألة ليست من خلال التخوين والاتهام، بل من خلال الاثبات العلمي لفشل مثل هذا التفكير وعدم جدواه السياسي وعدم إمكانية تطبيقه في النموذج العراقي.

وأما الاتجاه الثاني في المجلس الاعلى، فهو التيار التكنوقراطي وعلى الارجح يتبناه بعض الشخصيات التي ترعرت في أوروبا، وهو الذي يمثل الطرف الاخر من الخيط، الذي يختلف مع الاتجاه الاول، كونه ينظر إلى الواقع العراقي نظرة أكثر مرونة وبالتالي لايدافع عن نظرية ولاية الفقيه. أما التيار الثالث فيقع بين الاثنين، ويناصر الطرف الذي سيرجح ميزانه في الاخير.

وهنا يأتي دور شخصية السيد عبد العزيز الحكيم، ليس كونه أحد مؤسسي المجلس وأخ الشهيد محمد باقر الحكيم فحسب، بل كونه هو الذي يوفق بين هذه الاتجاهات المختلفة في المجلس ويوحد صفوفها وبالتالي ملتقاها.

ولكن الانطباع الظاهر حول المجلس الاعلى، على ما يبدو، يبين أن النظرة العامة حول وجود التأثير الايراني في المجلس لم تتغير كثيراً، فرغم نجاح المجلس في عدد من التجارب طوال السنة والنصف الماضية أثبتت جدية هذا التيار في تقديم نموذج شيعي وطني عراقي بقليل من النكهة المغازلة لإيران، أقل من أن يوصف بعمالة أو مناصرة إيران، ولكن مغامرة المجلس الاعلى التي حدثت من خلال قرار 137 لمجلس الحكم المنحل، كانت كافية أن تهز الكيان الايديولوجي الاسلامي، تجعل المجلس يعيد حساباته من جديد ويدخل المعركة السياسة من باب مختلف. غير أن ذلك لن يمسح بسهولة من ذهن الانسان العراقي الشرقي الطباع – حيث تتحكم العاطفة والانطباعات العاطفية قراراته فتترسخ في إيمانه-، وما تصريحات وزير الدفاع حازم الشعلان القاسية بحق القائمة الشيعية وغيره من القوى العراقية، إلا إنعكاساً حول هذه الفكرة المترسخة.

وربما كان هذا هو السبب الاساسي للجولة المكوكية للسيد الحكيم، التي بدأت من دول الخليج. فالارجح أن السيد عبد العزيز الحكيم أراد أن يطمئن الجيران ودول المنطقة أن نجاح الشيعة وبشكل خاص تياره، لايعني أن العراق سوف يتجه إلى دولة ولاية الفقيه. وأحسب أن السيد الحكيم قد مهد الطريق عند الدول المجاورة لتقبل سلطة عراقية ديمقراطية بأغلبية شيعية، وخصوصاً بأغلبية سياسية دينية شيعية. وأظن أنه سعى جاهداً لإقناع الدول التي زارها، بأن الموقف الشيعي الموحد ليس إلا موقفاً وطنياً عراقياً بعيد عن النفوذ الايراني، حتى لو كانت بعض التيارات قد إنطلقت من إيران لمقارعة النظام الصدامي السابق.

 

ولهذا أصبح السيد عبد العزيز الحكيم الهدف الاول لقوى الارهاب، لأن المحاولة لو كانت نجحت، لإستطاع الارهابيون أن يفشلوا المشروع الوطني الشيعي الذي يحاول أن يدشن النظرية السياسية الشيعية في خدمة العراق الجديد. النظرية التي تسعى إلى بناء ديمقراطية يحكم فيها الشيعة العراق بعد سنين طويلة من حكم الاقلية السنية، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يمتص هذا المشروع الشيعي الجديد، الدعوات المتشددة المتأثرة بالنظرية الايرانية، فيمنح السلطة الشيعية نكهة العراقية وبالتالي تخمد نيران القوى المتشددة التي تسعى إلى ولاية الفقيه أو إنشاء دولة إسلامية. ولو نجح المشروع الارهابي لإغتيال الحكيم، لتفرق شمل الشيعي العلماني، والشيعي المتأثر بإيران والشيعي الوطني العراقي، لتتحول إلى تيارات شبه متناحرة.  

 

الثانية: العراق بمفهوم الامة العراقية الناضجة وليس قربان الامة العربية

محاولة إغتيال الاستاذ مثال الالوسي زعيم حزب الامة العراقية، لم تكن أقل خطورة من محاولة إغتيال الحكيم. لأن النظرية السياسية الجديدة التي يدافع الالوسي عنها، إلى جانب عدد كبير من القوى والشخصيات والتيارات العراقية سراً أو علناً، والتي تسعى بالدرجة الاساس إلى توظيف الطاقات العراقية في خدمة بناء العراق وحده وليس في خدمة الاحلام القومجية الشوفينية التي تؤلب وتثير المنطقة الشرقاوسطية لخلق حروب مفتعلة، هي التي كانت مستهدفة من تلك المحاولة الارهابية.

فنظرية الامة العراقية تعارض تبذير إمكانيات العراق المادية والبشرية في ترهيب عباد الله في سبيل مبادئ أمةٍ عربيةٍ لم تكن يوماً من الايام واحدة، ولم تكن يوماً ما ذات رسالة خالدة، أكثر خلوداً أو نبلاً من رسالة وتراث أية قبيلة أفريقية موجودة في الغابات الاستوائية، لأن كلنا بشر وكل تراث بشري هو نبيل وخالد.

 أما مفهوم الامة العراقية التي تمتلك أكثر من سبعة آلاف سنة من تاريخ ناصع كان منطلقاً لمهد الحضارات،  وهذا يعني أن الشعب بكافة طوائفه وقومياته وأديانه هو أمة متكاملة متجانسة من شأنها أن تعيش في تآخي وسلام، وتبني بلداً ودولة قانون تحترم حقوق الانسان وترتبط مع الجيران ودول العالم بعلاقات متميزة مبنية على أساس تبادل المنفعة.

وكانت زيارة الالوسي لاسرائيل ليست إلا جزءاً من النظرية العراقية، التي تستخلص إلى أن عداء الانظمة العراقية المتعاقبة لأسرائيل لم يكن في مصلحة العراق، بل على العكس أن الدور الذي لعبه النظام العراقي، كأبو زيد العرب، لم يكن سوى حماقة من حماقاته، كلفت العراق مئات المليارات وأخرت البلد عشرات السنين من أجل قضية لاتعنيه.

ولايخفى أن صوتاً قوياً من بين صفوف الشعب العراقي ليس فقط على الصعيد السياسي بل أيضا على الصعيد الجماهيري والثقافي، أخذ يطالب ويؤمن بنظرية الامة العراقية. فكانت المحاولة الارهابية التي إستهدفت إغتيال الالوسي، إنما محاولة لإجهاض هذه الاصوات الخيرة في بناء عراق جديد متطور.  

 

الثالثة: العراق بلد تآخي الاقليات والقوميات والاديان

السمة الثالثة في عراق الغد هي سمة عراق مبني على أساس تآخي القوميات والاديان وهي التي يمكنها أن تتحقق فقط في ظروف تحقيق الحرية والديمقراطية المبنية على أساس دستورٍ علماني فيدرالي يضمن العدالة الاجتماعية وحقوق الانسان، فينبثق من بين صفوف الشعب نظام حكم تكنوقراطي شرعي متكامل يفصل السلطات الثلاثة، ويوفر الامن والامان للانسان العراقي، بعيد عن الظلم والاضطهاد ودولة الخوف.

وما تصعيد الارهاب والقتل الجماعي في العراق خلال الاشهر القليلة الماضية سوى محاولة لإجهاض الخطوة الاولى لتحقيق هذه الغاية المتمثلة بالانتخابات العامة. ولو نجحت هذه المحاولات لتخريب العملية الانتخابية، فهي بلا شك تريد أن تحرم العراق الجديد من السمة الثالثة، سمة التآخي والتعايش السلمي.