من نسف الاعياد إلى تفخيخ الجثث:
علامات الوجه القبيح للارهاب في العراق والستار الاعلامي العربي
بقلم ميرزا حسن دنايي*
كان يبدو أنه لن يمر وقت طويل حتى تتلاشى الاقنعة المزيفة عن الارهاب الدولي الذي ترعرع في أحضان الدكتاتور العراقي، حيث تسقط الحجج والادعاءات واحدة تلو الاخرى، رغم الجهود التخريبية للدول والقوى المجاورة عبر التغطية الاعلامية للعمليات الارهابية من خلال وصف هذا الارهاب بالمقاومة "الشرعية" . وذلك من أجل تثبيت أقدام الارهاب في العراق وجعله صيغة مشروعة مقبولة للشارع العربي. ولكن مع الاسف يبدو أن هذه التغطية الاعلامية للإرهاب قد أضفت ليست فقط صفة "مقبولة" أو بالاحرى صفة "المعتاد" إلى مشاعر الشارع العربي -الذي أدمن الجلوس أمام أخبار التلفاز وهو البعيد عن الساحة- فحسب بل أن الوباء قد أصاب قلب الشارع الاعلامي العراقي أيضاً.
هذه المقاومة –وسأسميها أيضاً مقاومة، ولكن المعنى المقصود أن هؤلاء يقاومون الخير والرفاهية والحرية ويقاومون ضد مصلحة العراق- إذا ما تتبعنا دروسها، نرى أن كل فترة تمر عليها، تُظهر أسلحة فتاكة جديدة تثبت عدم مشروعيتها، فتفقد بسرعة قناع "مقاومة الاحتلال" الهش، لبرهة ولكن ما تلبث وسائل الاعلام العربي -المرئية خاصة- حتى تفبرك دهليزا تُدخل المشاهد العربي في متاهة تنسيه قباحة الجرم الذي أرتكب، فيأتي قناع آخر ويتلاشى، ويأتي آخر... وهكذا دواليك.
ومع هذا فمرور سنة ونصف أو أكثر، جعل من السهل جداً على المراقب أن يكتشف ذهنية وأخلاقية تلك المقاومة، من أنها لاتختلف عن أية عصابة مافيا للجريمة المُنظَمة، التي تهدف إلى تحقيق غايات وأهداف مموليها أو من يدفع لها أكثر. فتارة تعمل هذه المقاومة لصالح دول الجوار لإفشال المشروع الديمقراطي في العراق، وتارة أخرى تعمل من أجل فدية خلال عمليات الخطف التي تحدث بين الفترة والاخرى، كان آخرها لغز تحرير الصحفيين الفرنسيين.
ولو راجعنا هذا التاريخ الاسود من عمر الارهاب القصير في العراق نرى أن كل مرة تنتج المقاومة سلاحاً يسقط عنها القناع الديني والوطني والانساني لتظهر الصورة الوحشية من الارهاب، وفي نفس الوقت يظهر الاعلام المرئي العربي مبررات، فيصبغ القناع المزيف لفترة أخرى:
مذابح عاشوراء:
فقد بدأ الارهاب أول مابدأ بإستهداف المدنيين من خلال تفجير عاشوراء، وتفخيخ تجمعات المدنيين في بغداد والنجف وكربلاء. فراحت مئات الضحايا من الشيعة. ولم يلبث الشارع العربي حتى نسى مئات الثكالى الابرياء، فقد جانبت التغطية الاعلامية للعمليات الوحشية، أيضاً تغطية إعلامية لمراسيم دينية في يوم عاشوراء وطقوس شعبية من ضرب القامة وسيل الدماء وغيرها. وكان الهدف الاساسي من هذه التغطية ليس تعريف الشارع العربي بتقاليد شعبية شيعية، بل لإقناع الشارع العربي أن تلك العمليات الارهابية التي إستهدفت هؤلاء الابرياء، إنما "مشروعة" لأن الشيعة يمارسون طقوساً غير مقبولة دينيا –حسب رأيهم-. فنسى الشارع في خضم هذه المعلومات الجديدة حول طقوس الحزن الغريبة المأساة التي أحدثها الارهاب الوحشي من قتل الناس في يومهم المقدس.
مذبحة أربيل في العيد:
وجاءت الضربة الثانية والسلاح الثاني الذي فضح قناع الارهاب، حينما فجر إنتحاريان نفسيهما في مدينة أربيل الامنة، في عيد الاضحى المبارك وبين جموع المعيدين في مقري الحزبين الكوردستانيين، فسقط مرة أخرى مئات الشهداء من المدنيين الابرياء. ليس لذنب سوى أنهم نهضوا صباح ذلك اليوم ليفرحوا بالعيد، فقلبت فرحتهم إلى مأساة ابدية. ومرة أخرى كشف النقاب عن الوجه القبيح للإرهاب الذي يتستر خلف إسم جماعة أنصار السنة، أو غيرها من جيوش وأنصار الاسلام أو بالاحرى أنصار الظلم والظلام. وسارع الاعلام المرئي لتفصيل القناع الجديد، وذلك بنشر الاخبار وبالجملة عن وجود يهود أو إسرائيليين في كوردستان، وأصبحت الفضائيات لايشغلها سوى فبركة معلومات عن وفود قدمت من إسرائيل إلى العراق وكوردستان أو بالعكس. حتى نسي الناس مرة أخرى مأساة عيد الاضحى والامهات الثكالى في أربيل.
خطف المدنيين:
وإلى جانب كل ذلك، لم يمر إسبوع حتى وكانت هذه المقاومة تكشف وجهها القبيح من خلال إستهداف المدنيين الاجانب وسواق الشاحنات وأصحاب الشركات الخاصة بالاعمار. ويبادر شيخ الارهاب من مكان ما في دولة مجاورة، إلى فتوى أقبح من القتل نفسه، تحلل قتل المدنيين الاجانب، بحجة أنهم يعاونون الاحتلال، فيتم تخدير أعصاب المشاهد بقناعة زائفة.
حكومة طالبان في فلوجة:
ثم دخل الارهاب طور "طالبان العراق" بكافة ملامحه المتخلفة، فجعل من الفلوجة معقل إمارة إسلامية قروسطية، ومنها كان تلامذة الارهاب الزرقاوي ينطلقون ليغزو السلام في كافة مدن العراق، لتصدير سيارات مفخخة ورجال مفخخين، وعقول مفخخة. وحينما بادرت الحكومة إلى إحتواء الوضع بالحوار قبل أن تندلع الحرب التي شردت أهالي المدينة المساكين، أنطلق الاعلام المرئي العربي لتغطية الاحداث من جانبها الوقح، وذلك من خلال لقاءات ومحاوارات مع رجال يدعون الدين يحاولوا زرع الفتنة عبر الاثير، فكانت فتوى 26 إرهابي سعودي. ثم حاول الاعلام غربلة لقاءات مع أهل المدينة، لتبث اللقاءات التحريضية فقط دون غيرها، حتى يفهم المشاهد أن الشارع الفلوجي يرفض الحوار بل يريد الحرب مع أمريكا. ولكن ليس معقولاً أن يكون أنذاك كل أهل الفلوجة مع حرب غير كفوءة ضد جيوش أمريكا الجرارة. وإلا لبقي الجميع في بيوتهم مستأثرين الموت على التشرد في خيام الصليب الاحمر والمنظمات الانسانية على أطراف المدينة وهم يتفرجون على مدينتهم المسكينة وهي تتقطع إرباً إرباً.
تفجير الكنائس:
وحينما بادر القتلة بإستهداف الكنائس الامنة في الموصل وبغداد لتفجيرها، أصرت بعض وسائل الاعلام العربية إلى أن تتحدث أكثر عن "إدارة بوش المسيحية المتعصبة، أو حسب تعبيرهم المتصهينة"، وتحول إسلوب المحادثة ليس عن سياسة أمريكية ثابتة تجاه قضايا العالم وفق مصالحها، إلى إسلوب إنتقاد السياسة الامريكية، لأنها مسيحية متعصبة... وكأن وسائل الاعلام تقول للمشاهد العربي، دعوهم يفجروا الكنائس في بغداد والموصل، لأنها كنائس ينتمي بوش إليها ويستمد منها قوته.
الذبح على الطريقة القروسطية:
ثم كشف الارهاب عن وجهه القبيح الجديد، من خلال عمليات الذبح التي طالت الكورد عامة والايزيديين خاصة في الموصل، كما لو أنهم يقطعون رأس الشاة. بل والانكى من هذا عمليات ذبح الموتى في اللطيفية التي طالت مواكب بعض الموتى من الشيعة. إذ قام قطاع الطرق من (رجال مقاومة الاحتلال الاشاوس) بمهاجهة توابيت الموتى من أبناء الشيعة وهي في طريقها إلى الدفن في النجف، وقاموا بالاستيلاء على جثث الميتين وقاموا بقطع رأس المتوفي.
والغريب أن هؤلاء الارهابيين يفتخرون بذلك. ففي زيارتي الاخيرة للموصل، قرأت نشرات جدارية تذكر بفخر وإعتزاز أنهم قاموا بإحياء ظاهرة النحر -هذه السنة الاسلامية القديمة حسب رأيهم-، وذلك لكي يمارسوها ضد الكفرة.... وبدل من أن يقف الاعلام على هذه الظاهرة الخطيرة من خلال بث مواضيع توعية تستنكر عمليات النحر، رأينا أنه كان يحاول بجهده الجهيد أن يمر على هذه المواضيع بأصغر قدر ممكن من التغطية الخبرية.. حتى لايكتشف الشارع العربي ولايعي ما يحصل للأبرياء في العراق ولايدرك الطريقة المتوحشة التي يقتل فيها الابرياء بإسم الدين أو المقاومة المشروعة.
تفخيخ الجثث
وأخيراً دخل الارهاب مرحلته الاقبح من خلال تفخيخ الجثث. فقبل أيام قامت قوى الارهاب في مدينة تلعفر –وهي بلدة قريبة من الموصل- بتفخيخ جثة شهيد بعد أن قتلوه، فما أن إلتم الناس حول الجثة للتعرف عليها حتى إنفجرت الجثة وقتلت أناسا أخرين، ليس لذنب سوى أنهم كانوا يريدوا أن يعملوا بما أوصاهم دينهم ومبادئهم، بعدم ترك جثث الموتى في العراء. فالدفن واجب ديني قبل أن يكون واجب إنساني. ومع ذلك، فضل الارهاب الذي يتستر وراء الدين أن يسقط قناعه –ربما ليس الاخير- فيؤكد للناس أنه لايدافع عن دينه كما يدعي، بل أنه لايؤمن بدين أو عقيدة سوى عقيدة الموت والقتل والتقتيل. أما الاعلام هذه المرة ولبشاعة السلاح الجديد، فإنه لم يذكره خوفاً من إنتفاضة الشارع العربي –مدمن الفضائيات- على هذه القباحة التي ترتكب بإسم المقاومة والدين، بل ورد الخبر على شكل شريط أخباري مكتوب أسفل الشاشة، وذلك لأن القيمين على هذا الاعلام يدرك أن نصف الشارع العربي أمي لايعرف القراءة، وربعه متعلم ولكنه لايريد أن يقرأ شيئاً، وأما الربع الاخر فهو مغترب مشرد أو مسجون أو ممنوع من الكلام.
وهكذا وبإنتظار سلاح جديد للمقاومة العراقية البربرية معدومة الانسانية، وجريمة أكثر وحشية ..... وغطاء إعلامي عربي أقبح
_____________
* كاتب عراقي مقيم في المانيا