مشاهد عراقية:
نعم كانت ديمقراطية ناقصة ولكنها حقيقية
بقلم ميرزا حسن دنايي

ما حصل يوم الاحد الماضي في العراق، وكما سماه الكثيرون بالعرس العراقي، ورغم كل الظروف، كانت نقطة رسمت تأريخ العراق، وكان يوماً خالداً مقدساً، أدخل العراق في طريق جديد يأخذه إلى بر الامان. فلأول مرة في تاريخ الانسان العراقي يجري الانتخاب بشكله الديمقراطي، لكي يختار المواطن البسيط من بين كل "المتنافسين" من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار جهة تمثل تطلعاته... ولأول مرة يتجه الانسان العراقي إلى صندوق الاقتراع وهو يعلم أنه يريد أن يختار أحدهم لكي يوصل صوته إلى أعلى سلطة في الدولة... نعم كانت أول مرة يخلق فيها المواطن "قائده" ويعطيه صفة الشرعية.. أو لا يعطي فيقاطع دون أن يأخذه أحد إلى مقار التعذيب بسبب المقاطعة. نعم كانت ديمقراطية ناقصة، ولكننا لو نظرنا إلى كافة المشاهد المحيطة، نجد أنها حققت اكثر مما كان متوقعاً:

المشهد الاول: طوابير الناخبين
الجموع الغفيرة التي كانت تتحشد أمام مراكز الاقتراع، وهي تعرف حق المعرفة أن أي تجمع قد يكون مستهدفا من قبل الارهابيين، كانت تبعث في نفس الانسان المتفرج، العراقي وغير العراقي، الايمان بأن رغبة هذا الشعب المسحوق جادة وحقيقية في نيل حريته كاملة مكملة. هؤلاء الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع الاحد الماضي، كانوا كمن يحمل كفنه على يديه، لايعرف إذا ما كان سيرجع سالماً أم لا، ولكنه كان متأكداً، أنه يريد أين يشارك في بناء سلطة العراق... فكفى تسلط الزمر القليلة التي تسلب إرادة الانسان وكرامته.

المشهد الثاني: الايثار
الجنديان المجهولان عبد الامير وعادل، اللذان ضحا بحياتهما من أجل إنقاذ الجماهير الناخبة. كل منهما وفي مكانين وزمانين مختلفين، أدرك بالفطرة وجود إرهابي بين الناخبين. فعادل الاب لعائلة صغيرة، إلتفت وراءه فوجد أن هناك رجل أسود -تبين فيما بعد أنه كان إرهابيا من السودان-، لاتنطبق ملامحه النتنة على ملامح الانسان العراقي الذي ترك ذلك الصباح بيته ليتوجه إلى الاقتراع. فما كان من عادل إلا وأن هجم على هذا الارهابي الطفيلي ليأخذه من بين جموع الناس ويجره بعيداً عن الطابور، فكانت دقيقة أو ربما أقل، حينما إنفجر الارهابي السوداني، ليقطع جسد الجندي المجهول عادل المقدس إرباً إرباً، في حين سلم الاخرون من تلك العملية. لقد فضل عادل أن يموت هو وحده على أن يموت جميع الناس هناك. لقد فضل أن يترك أبناءه يتامى، على أن يصبح مئات الاطفال يتامى. ونفس القصة جرت مع (عبد الامير كاظم) في وقت آخر من النهار وفي مكان ومركز إنتخابي آخر. فهو بدوره ضحى بحياته المقدسة من أجل أن يعيش العراق. لم يكن عادل وعبدالامير شرطيان أو حراسا أو جنود، ولم يستلما راتباً لأجل حماية الناخبين، بل كانا مواطنين بسيطين ارشدهما قلبهما الطاهر إلى خطر الارهابيين، فقاما بحماية المواطنين بدماءهما وحياتهما.

المشهد الثالث: عراقيو المهجر
لم أكن أتصور أن يصل الطمع بنا نحن عراقيي المهجر إلى درجة أن الكثيرين منا لم يذهب إلى الانتخابات ليس لسبب سوى لأنه لم يكن مستعداً أن يدفع إجرة سفره من بيته إلى مركز الاقتراع. أعترف أن المفوضية العليا لم تكن حليمة لانها لم توفر العدد الكافي من مراكز الاقتراع للمغتربين. ولكن مع ذلك كان حريا أن تكون مشاركة العراقيين في الخارج أكثر. خاصة وأننا لم نكن نخاف من الارهابيين، ولم تكن هناك سيارات مفخخة تنتظرنا بباب مراكز الانتخاب. وكل ما كان مطلوبا هو ان نخسر بعض المال إجرة سفرتي التسجيل والاقتراع، قد لا تتجاوز 200 دولار مهما كان محل اقامتنا بعيدا عن المركز الانتخابي. ولكن وصلت بالبعض الحالة إلى أنهم كانوا ينتظرون من الاحزاب المرشحة أن تدفع أجور سفرهم... كشرط للمشاركة. 

المشهد الرابع: الحزب الشيوعي والاستفتاءات
أثبتت الاستفتاءات التي طرحت على الانترنيت لاستطلاع الرأي حول الانتخابات، بما فيها طبعا الاستفتاء الذي طرحناه في قنديل وشارك فيه قرابة 300 شخص، أثبتت أنها لاتصلح للمجتمع العراقي الشرقي، ربما لأن الكثير من الناس لايدركون أهمية الموضوع، ويأخذوه على غير محمل الجد، فيحاولون التلاعب بالنتائج وكأنها ستكون حقيقية. 
الغريب في هذا الموضوع أن معظم نتائج الاستفتاءات كانت تعطي قائمة اتحاد الشعب ما يقارب 20-25% من الاصوات، في حين، أن النتائج الاولية تشير إلى أن هذا الرقم خيالي بالنسبة لاتحاد الشعب، ومبالغ فيه بعدة أضعاف -مع الاسف طبعاً-. وهذا الامر أوصلني إلى استنتاج ثانوي جداً، وهو على الاقل يمكن للاخوة الشيوعيين أن يتفاخروا بأن مؤيديهم -نسبياً- هم أكبر عدد من الناس الذين يملكون أجهزة الكومبيوتر، ويتعاملون مع القضايا السياسية بمنهجية ويتابعون الاعلام الالكتروني بدقة. ولهذا كانوا في كل استفتاء يحصلون على ربع الاصوات.  

المشهد الخامس: سهل نينوى وأسرار المفوضية
المسألة الاكثر انزعاجا منذ يوم الانتخابات وحتى الان هو ما حصل في الموصل، حينما حرم الايزيدية والمسيحيين والشبك في شيخان وبرطلة وبعشيقة وسنجار من أن يدلو بأصواتهم. ولا أستطيع أن أجد أية تسمية مناسبة لذلك، فهل كانت مؤامرة، هل كانت صفقة بين بعض الاطراف، هل كانت لعبة على الاقليات، هل كانت مدبرة، هل كان تقصيرا من الادارة في المحافظة من محافظ وقائمقامين، أم تقصيرا من المفوضية، أم تدخلا من زعماء الإرهابيين خاصة وأن إسما يرد في التقارير يدعى مدلول المطلق، وهو المعروف عنه من أشد داعمي الارهاب في المحافظة. أسئلة كثيرة ومحيرة فعلاً.

ومبررات المفوضية العليا أقبح من الحدث نفسه، خاصة وأن هناك في المفوضية نفسها من أهل المنطقة حسب علمي، وهم كانوا يعرفون طبيعة مناطق المسيحيين والايزيديين والشبك وأجواء محيط الموصل الذي كان هادئا إلى أبعد حد، حتى أن صديقا من سنجار إتصل بي وقال، أنه كان مراقبا في إحدى الدوائر في أحد المجمعات، وقد كانت الساعة العاشرة حينما انتهت البطاقات، وكان الالاف يتجمهرون امام المركز الانتخابي وهم يتحسرون على ان تلك الفرصة قد ضاعت منهم.. ونفس الشئ حصل في بعشيقة وقرى المسيحية والشيخان، حيث لم تصلهم مطلقا البطاقات، وكانوا بالمئات يتجمهرون أمام المراكز الانتخابية رافضين العودة إلى البيت... ومع ذلك لم تحل المشكلة.
الاسوأ من هذا، هو تأجيج مشاعر الناس الان ضد ما حصل لهم من لعبة سيئة، خاصة وأن مرتكب هذا العمل المخجل لم يتم الكشف عنه، وكل طرف يوجه أصابع الاتهام نحو غريمه أو منافسه أو ربما إلى طرف آخر، للأستفادة من مأساة الايزيدية والمسيحيين والشبك من أجل منحى آخر.... ورغم أن بعض الخيوط من العملية واضحة، وتؤكد تورط جهات وشخصيات، ولكنها خيوط ناقصة أولاً و وثانيا لن تحل مشكلة الناس الذين فاتتهم الفرحة بالمشاركة في عرس الانتخاب.

المشهد السادس:  الارهابيون يفخخون طفلاً معوقا
حينما استذكر الوسيلة الوحشية للارهابيين يوم الانتخاب وهو تفخيخ طفل معوق لينفجر في مركز انتخابي، ليست هناك أفضل من ننعتها بأنها (كانت وسيلة تقزز النفوس)، بل وسيلة تصل بالانسان إلى أن يكفر بالمقدسات التي يستخدمها هؤلاء لتكون سلاحهم لموت الابرياء.

فكيف تسمح عائلة هذا الطفل المعوق بأن يفخخ أبنهم، وما هي ملابسات المسألة؟ ألا يتوجب على السلطة الان أن تتابع الموضوع، لأنني لا أجد جريمة جنائية أقبح من هذه، وأعتقد أن الحكومة القادمة، ملزمة بمتابعة هذه الجريمة النكراء، وأدعوها لتسخير كافة الامكانات من أجل إكتشاف المجرم الذي فعل وخطط لذلك وإذا كان ابواه هما اللذان "تبرعا" بإبنهما ليكون قنبلة مفخخة، أطالب الحكومة بأن يعلق الابوين على ساحة من ساحات بغداد ويتركا للكلاب المسعورة لكي تقطعهما إربا إربا في وضح النهار لكي يكونا عبرة لمن إعتبر.     

المشهد السابع: هيئة علماء المسلمين لاعب بدون ملعب
حينما كتبت المقالة أسميت هذه الهيئة (باللاعب خارج الملعب)، ولكنني حينما راجعتها، وجدت أن الهيئة لا تملك وملعبا. خاصة وأن وظيفتها تأقلمت في الفترة الماضية لتصب في خانة واحدة وهي، التوسط لعمليات الخطف المشبوهة، والتي هم يتفاخرون بوساطتهم، ولكن الناس ينظرون إليها أنها ليست سوى الوساطة مع مافيا الخطف... ومعلوم أنه ليست هناك علاقة سوية مع المافيا، إذا حينما يكون المرء جزءاً منها أو رضيعاً لها أو متزاوجاً معها. وهذا يعني أن هيئة علماء المسلمين هي اللاعب بدون ملعب.

والحقيقة أضحكني التصريح الاخير لهيئة علماء المسلمين كثيراً، وهي تعترف بأن الحكومة القادمة تمثل -رأي شريحة من المجتمع- وبالتالي فهي شرعية ولكن شرعيتها ناقصة. الحقيقة أنا لا أفهم كلمة شرعية ناقصة أو منقوصة، ولا أدري كيف يمكن أن تكون هناك شرعية... وناقصة.

وعلى أية حال، الهئية برغم أنا حاولت بكل الطرق (الغير شرعية طبعاً) إيقاف ومنع الانتخابات، فهي إذا كانت تعني ما تقول، أي أنها ستترك التمويل الروحي للارهاب في العراق وتتجه نحو العمل على الطاولة بدلاً من العمل تحت الطاولة، فهي بالتأكيد ستجد صدرا عراقيا رحباً. رغم أنني شخصياً أشك في ذلك ولا أجد خطابها الاخير سوى محاولة التغازل مع السلطات الجديدة، كنشاط مرادف للنشاطات المشبوهة، وما تخفيف اللهجة إلا من مبدأ الثعلب الذي لم ينل الكرم فقال أنه حسرم.

المشهد ماقبل الاخير:
نستخلص مما جرى، أنها كانت عملية ديمقراطية، بكل عيوبها وتجاوزاتها. كانت عملية ديمقراطية ربما تكون الطريق الصحيح لعراق الغد، إذا ما استمرت نحو الافضل وتم فيها تجاوز الاخطاء والوقوف عليها. ديمقراطية بدائية، كانت الخطوة الاولى لكل المجتمعات الغربية التي سلكت هذا الطريق وتفتخر اليوم بكونها مجتمعات حضارية... طبعاً إذا كللت العملية الاخيرة بالنزاهة والشفافية وهي إعلان النتائج وتطبيقها، -فحتى ساعة كتابة هذه المقالة لم تكن النتائج قد ظهرت بعد-، وإذا ما قامت الاغلبية الان بإستغلال قوتها في خدمة الشعب لا في خدمة المصلحة الحزبية الضيقة...

وهذه الساعات الحاسمة لن تكون ضمن خانة الديمقراطية لكي تكون من سلبياتها أو إيجابياتها، بل ضمن خانة الاحزاب المشاركة بالعملية، لكي نعرف مدى إخلاصها وتطبيقها للديمقراطية وأيمانها بالحرية... فالديمقراطية بدون حرية لاتساوي درهماً واحداً.