من يحمي تراثنا الغنائي
عندما سمعت بأن الفنان الكبير أحمد الخليل قد أشرف على تسجيل أغنية ( مرابط )
في الإذاعة العراقية في بداية النصف الأول من القرن الماضي بشكل ايقاع مغاير
لإيقاعها الأصلي ، مما غيّر في لحنها ، قلت أنها هفوة قد لا تتكرر .
وعندما رأينا الفنان إلهام المدفعي في سبعينات القرن الماضي يقدم الأغاني
التراثية العراقية بغير إيقاعاتها الأصلية وبعضها بغير مقامها الأصلي ، وبتشويه
واضح بحجة ملاءمتها للآلات الغربية الخالية من ( ربع التون ) أو لسهولة الرقص
عليها وانتشارها ، وقفنا ضد ذلك التشويه وحاولنا منعه دون نتيجة . بعدها ،
سمعنا بعض الأغاني التراثية العراقية تقدم في بعض الإذاعات العربية بنفس أسلوب
التشويه ، بل أن بعضها قدم بأنه من ألحان ملحنين معاصرين بعد إضافة جمل موسيقية
وغنائية لا علاقة لها باللحن الأصلي دون رادع .
وقبل أيام ، أطلعتنا إحدى( فضائيات الرقص العربية ) أو كما يطلق عليها فضائيات
الغناء ، على أغنية شعبية عراقية ( يا نبعة الريحان ) ، هي من إنتاج وفنون
الجزيرة ، مسجلة بنفس أسلوب الخطأ الممارس بالنماذج أعلاه .
والغيب أكثر ، أني شاهدت في الأيام الأخيرة تسجيلاً لفرقة الفنون الشعبية
العراقية ( وهي فرقة رقص شعبي رسمية ) لأغنية شعبية مشوهة بنفس الطريقة .
لقد كنت طيلة السنين الماضية محجم عن الكتابة عن هذه الظاهرة الخطيرة لتشويه
التراث الموسيقي العراقي بسبب ظروف العراق السابقة التي كانت لا تعتمد على حكم
قانون .
إن ما دفعني للكتابة الآن هو ما سمعته بالأمس من إحدى الفرق الغنائية العراقية
في المنفى وهي تقدم أغنيتين بنفس اسلوب التشويه السابقة .
لقد آن الأوان ، وبعد أن تحرر العراق من ظلام الجهل والدكتاتورية ، ليضع
اللبنات الأولى لدولة القانون أن نرفع أصواتنا إلى كل من يهمه الأمر ومن يحرص
على تراث الوطن
للتصدي إلى تلك الممارسات الخاطئة واني لها أثر خطير على التراث الشعبي العراقي
.
إنني أهيب بكافة الفنانين العراقيين ، وهم بالتأكيد حريصون على تراثهم ،وخاصة
من يمارس الغناء منهم ، بتحكيم ضميرهم وعدم الإقدام على تلك الأخطاء . كما أهيب
بالفنانين العرب ومؤسسات الإنتاج أن يتأكدوا من صحة ما يقدموه من تراث غنائي
عراقي ، وإن كان السبب
هو عدم معرفة تلك الأغاني بشكلها الصحيح ، فإن عدداً غير قليل من الموسيقيين
العراقيين ) وأنا منهم ) لهم اطلاع واسع على التراث العراقي ، ويمكنهم تقديم
المشورة مجاناً لمن يريدها .
أملي أن لا نسمع في الفترة اللاحقة مثل تلك الأخطاء على وسائل الإعلام أو في
الحفلات المباشرة ، وشكراً لمن استجاب لهذا النداء .
حميد البصري
المشرف الفني لمعهد الدراسات الموسيقية في بغداد / سابقاً
أستاذ الموسيقى العربية بالمعهد العالي للموسيقى في دمشق / سابقاً
أستاذ الموسيقى العربية في مركز الثقافة والفنون بلاهاي / هولندا