بكائيات شباط

ومفهوم المقاومة بين التزوير والتشويه ...

 إبراهيم اليوسف

www.alyosef.com

جاءت العمليتان الإرهابيتان اللتان نفذتهما قوى ظلامية معادية للسلام  والاستقرار في العراق ـ بعامة ـ  و كردستان ـ بخاصة ؛ لتبينا للعالم أجمع مدى الضغينة الكارثية العمياء التي يكنها الأشارى لكل وميض جميل من شأنه أن ينعكس إيجاباً  لصالح الإنسانية !

وما يمكن تأكيده إزاء العمليتين الإرهابيتين المذكورتين ، أن هوية القتلة الأنذال هي  في منتهى الوضوح ، كما أن الكثير من أهداف هؤلاء ـ هي في المقابل ـ واضحة أيضاً ، وهذا ما يقطع أية مظنة بأضواء اليقين في هذين المنحيين على حد سواء ، وهو يندرج بالتالي ضمن تكالب وتصالب نزعتين اثنتين في بوتقةٍ واحدةٍ ، النزعة الأولى منها : هي تلك التي تحدو فلول أزلام الدكتاتور الجحري لارتكاب جرائمهم بحق أشراف العراق تحت ستار ـ المقاومة ! ـ هذا المصطلح المزيف والفضفاض في ضوء حقيقة ما يجري الآن ، و الذي روجت له جهات عديدة ، ذات المصلحة المباشرة في تأجيج أوار الفتنة عراقياً ، متكئة على غطاءٍ إعلاميٍّ مخادعٍ ومنافقٍ ، تلبية لأغراض لم تعد تخفى على أحد البتة ..!

أما النزعة الثانية فهي نتاج الموقف الفاشي من – الشعب الكردي – أينما كان ضمن حدود خريطته التاريخية ، ولعلَّ كثيرين منا سمع المنظّرين لمثل هذا الموقف على منابر " الفضائحيات " العربية ، او قرأ لهم على صفحات جرائدهم ، ومجلاتهم  ،او مواقعهعم الأنترنيتية الصفراء ، من وعيد فاضح ، واضح ، بحق الأكراد ، بل عبارات ترحم على الدكتاتور – وكيميائييه – الذي كان عليه أن يجعل من هؤلاء الأكراد المارقين ، أثراً بعد عين ، فيما لو اعترفوا بحضورهم الطارئ بين طيات خرائطهم المنزّلة من السماء ..!

إن هذه العقلية المأزومة ، والملوثة بآفة الذئبية هي المسؤولة – اولاً واخيراً – عن تضليل الرأي العام للشعوب المتعايشة مع الكرد ، محاولة استعداءها على الأكراد ، و ابادتهم نهائياً ، أو سلخهم سمتي التمايز والاختلاف الطبيعيين بين أبناء البشرية عموماً ، لترجمة حالة رقيّة ! ـ لا راقية ـ كتعويض عن انهزامات مستعصية ، في محاولة لإعادة دورة التاريخ إلى محض لحظة ظلامية ٍ ، تأنفها الانسانية بل ترفضها بلا هوادة ..! .

مفهوم المقاومة مضلّلاً :

من حق أي دارس أن يسأل إزاء ما يجري الآن من جرائم بحق المدنيين ، والعزل من أبناء الشعب العراقي ، أي عقل تضليلي ساذج ، يحاول أن يشرعن هذه الانتهاكات الدموية بحق أبرياء العراق ، لاسيما وان صفة المقاومة الحقيقية – عراقياً – كان عمادها ، ومحورها – أكراد العراق – حصراً بالإضافة إلى مناضلي الحزب الشيوعي العراقي ـ حزب فهد المجيد ـ، حيث أن هؤلاء هم من كانوا الطليعة في مواجهة النظام الدموي البائد ، بل أن كثيرين من أبناء العراق الذين ينفذون الأعمال الشنيعة ، كانوا رأس حربة النظام في مواجهة المقاومة وأبناء الشعب العراقي ، برمته ، هذا النظام الذي استقدم بممارساته الهوجاء القوى العسكرية الغربية إلى تلك المنطقة من خلال سيناريو احتلال الكويت ، إذ قامت هذه القوى – بعد ذلك – وتحت ستار الشرعية – آنذاك – بكسر حواجز كثيرة ، كان من شأنها الإقدام إلى أرض غريبة ، لإسقاط النظام الاستبدادي في 9 نيسان ، وكأنها في مجرد نزهة عسكرية لا أكثر ..! .

إن الحالة المزرية التي آل إليها العراق تحت ظلِّ الدكتاتور الأحمق – صدام حسين - ، كانت تستدعي أمثال هذه النوى الإجرامية في العراق ، أن تندفع تحت وطأة غيرتها – المفترضة فقط – بل المزعومة، للتصدي لمكانيزما النظام ، ومقاومته ، بغرض اسقاطه ، وإنقاذ كرامة أبناء الشعب العراقي ، لاسيما أن هؤلاء عاشوا لمدة  عقود متتالية مدنسي الكرامة ، إزاء ما كانوا  يرونه يومياً بأم أعينهم ، في ظل استبداد هذا المجرم القذر وآلته الذيلية ، من الزبانية الظلاميين ..، ولعل جزءاً ضئيلاً من مثل هذه العمليات التي يقوم بها هؤلاء ، كان من شأنها ان تدك معاقل الدكتاتور ، وتكفي لإسقاطه ، كي تبدأ مرحلة أخرى من حياة العراق الجريح ، دون إعدامات ، أو غرف أسيدية أو مقابر جماعية ، بل ودون تحويل حرائر هذا البلد إلى أمّات ، وجوار، على أيدي هذا المجرم وجرائه الأنذال .

ولعلَّ من حق أي باحثٍ في الشأن العراقي ، أن يندهش إزاء استنهاض فحولة عراقيين كثيرين ـ الآن ـ وعلى نحو مفاجئ – أبطالاً قوميين ، ومرجعيات مؤلهة ، وزنادقة متأسلمين ، إذ صار هؤلاء – يخرجون الرؤوس من جحور الصمت وساحات التصفيق ، والحمد  ،والتسبيح ، بإسم الدكتاتور – كي يرى كلّ منهم نفسه الذات العليّة ، وأن رؤاه المقدسة غير القابلة للخطل أو الحوار ، وهي برمتها حالات كاذبة مضللة ، من الممكن جداً أن تعود إلى طبيعتها الأولى ، في ظل ظروف مشابهة لحالة ما قبل سقوط الدكتاتور ، وهذه بدهية لا تحتاج إلى المزيد من العناء ، أو امعان النظر بغرض فهمها ، لاسيما وان الخط الفاصل بين هاتين المرحلتين ، لمّا يزل ماثلاً في الذهن ، وهو ما كنا جميعاً الشهود عليه ، ومن حق أي منا الإدلاء بشهادته ، دون تزويق ، أو تزوير، ..نظراً لمتابعتنا إياه عن كثب .

إن هؤلاء المقاومين المزيفين _ دأبوا في عهد الطاغية الفخائخي ـ على تفجيرات إرهابية في الكراجات

 

 

وباصات الركاب والمباني السكنية والمدرسية ، ولكن- سورياً ـ حيث راح ضحيتها خمسة عشر ألف شهيداً من المدنيين ـ  كما أكد ذلك د.بشار الأسد في أحد لقاءاته في تركيا ...!

ولابد من التأكيد هنا أن تسلل الإرهابيين إلى مقر الحزبين الكرديين ، لا يدل على خلل أمني لدى الأكراد ـ كما قد يتوهم ـ بل لأن الأكراد الذين أرسوا دعائم الديمقراطية عراقياً، لا يخشون جماهيرهم ، ولم يكن في حسبانهم أن تأتي ـ الجراء المأجورة المفخخة ـ وتقوم بمثل هاتين العمليتين ، ناهيك عن أن سماح روح الكردي وتسامحه كانا وراء حرية تنقل هؤلاء إلى درجة استغلالهم ذلك ، و تمكنهم من دخول احتفاليين دينيين في يوم مقدس عند كل مسلم شريف ، ولم أقل متأسلم قذر

 

 

شباط الأضاحي :

لقد كتبت عقب استشهاد العلّامة - محمد باقر الحكيم – مقالاً انفعالياً ، رثيته من خلاله بحرقة عالية ، مديناً هذه الشنيعة الإجرامية ، ملمحاً – وعلى نحو سريع – انني ومنذ انخراط غيارى العراق عقب الاحتلال ، لإنقاذ بلدهم من براثن المجرمين جميعاً – وسط المعادلة العراقية المحرجة – كما أسميتها آنئذٍ – بدأت أضع يدي على قلبي ، خشية على مصير الكثير من الرموز الشرفاء ، ممن غامروا بمصالحهم ، بل بأرواحهم ، من أجل مصلحة بلدهم ، وإنقاذ ما تبقى ، دون أن يكون لهم علاقة باستقدام القوى الأجنبية ، أو إيصال العراق إلى هذا الحال المزري ، وهؤلاء عموماً – أبطال حقيقيون ، وضعوا أرواحهم على أكفهم في أقل توصيف لهم – كرمى لمستقبل العراق ..وشعب العراق .

ويبدو أن مثل هذا القلق على شرفاء العراق مشروع تماماً ، إزاء لحظة إنعطافية حساسة حرجة ، لن يهادن خلالها أُجراء الطاغية ، و أزلامه ، ومجرموه الأجراء ، رواد هذه الحالة خشية على حياتهم ، لأن قائمة أسمائهم مستظهرة ، معروفة لدى العراقيين ، وأن مصلحة هؤلاء تكمن في تعكير اللحظة العراقية ، هروباً من نزول العقاب عليهم ، ناهيك عمن غسلت بعض الأنظمة المعروفة عقولهم ، وحاولت تصدير أزماتها ، من خلال تجميل صورة – المجاهد – في أذهان هؤلاء ، لإطالة أعمارها ، وامتصاص نقمة جماهيرها ، لاسيما إزاء خرسها المشبوه تجاه احتلال العراق .

إن ما جرى صباح 1 شباط 2004 في مقري الحزب الديمقراطي الكردستاني ، والاتحاد الوطني الكردستاني في – أربيل – يقدم  دلالات دامغة على النزعة الإجرامية الوحشية لدى منفذي العمليتين ، وكرد لئيم على صنيع الأيدي الكردية البيضاء التي غامرت بواقع حالتها المفروضة منذ العام 1991 ، وحتى الآن ، إذ استطاعوا ان يؤكدوا للملأ ، أنه ورغم – محاولات بقايا النظام البائد المستميتة – لزرع الاضطرابات والقلاقل في كردستان ، إلا أنها ارست دعائم حالة ديمقراطية ، ورقي وعمران  ، لم تكن معهودة في المنطقة عموماً ، وهي مدعاة قلق للكثير من الأنظمة الاستبدادية.  وكانت – بالتالي – السبب في تكالب التآمر على هذا العشّ الكردي الهادئ ، بعد أن دفع أكراد العراق ضريبة الدم طويلاً ، وكانوا – الملاذ الآمن – لعموم أبناء بلدهم ، وهو ما أدركه أبناء العراق قاطبة ، ساسة ومواطنين ومثقفين ؛ بدءاً بالعملاق الجواهري ، ومروراً بسعدي يوسف  ،وانتهاء بأقل هؤلاء باعاً وإبداعا .

ومن هنا ، إن مسؤولية المثقف العراقي تبدو مضاعفة إزاء اتخاذ مواقف مبدئية من الشريك الكردي ، المتطوع ــ انطلاقاً من حساسية اللحظة الوطنية العراقية ــ للعيش ضمن عراق فدرالي موحد ، مغامراً بخصوصيته في ــ العراق الأعجمي  ــ المعروف ، كونه كبش الرهان الأسطوري الذي لم يكف عن أضاحيه حتى آخر أضحى معيش ....!

ولكن ما يحدث ــ بأسف ــ وعكس ما هو مطلوب من قبل نظيفي الضمائر ، والعقول ، فان هناك من راح يسهم في صب الزيت على النار ، على نحو ضبّي  ــ كما جاء في الأسطورة ـ  من أجل خلق الهوة ، وتسحيقها ، والإمعان في إذلال أبناء العراق ، وهي ترجمة حرفية لتلك الرؤى التضليلية التي تعد نتاج قران زواج متعوي مشبوه ، بين السلطة والإعلام المأجور ، الذي راح  ينفث داء الفرقة في ألوان الفسيفساء العراقي ـ بغرض الإجهازعلى هذه القوة الرابعة عالمياً ــ كما أشيع عنها ــ ضمن مخطط محكم ، منذ أن أسهم الغرب في تضخيم الحالة البارانوية لدى الدكتاتور على / نحو مهول / وراح يقدمه على أنه ــ بسمارك العرب ! ــ أو المهدي المنتظر ...! . ( وحاشا مثل هذا الكلام بلغة المتصوفة ، ممن أجلهم )

سيكولوجيا اللغم البشري عراقياً :

 ثمة حالة انسحاق روحي مقيتة ، توصل إليها ـ بكل تأكيد ــ ذلك اللغم البشري.. الإرهابي بامتياز  ( حيث أن أحد االمجرمين منهم هو من اليمن السعيد أصلاً وسعودي جواز السفر وشامي الخؤولة )وكان ظهيراً لقرين قذر له ، راح وتحت حمأة دوافع إسلاموية ــ يفجر نفسه في قاعة ، اجتمع فيها الحضور ليترجموا تقاليد إسلامية عريقة ، في أول أيام عيد الأضحى المبارك ،تقاليد كان آباؤهم حماتها ، ورادتها  ، وحملة مشاعلها منذ مئات السنين وحتى الآن ....! وإن لم تكن ــ سيكولوجيا الملغم ــ على ذلك النحو من التنتن والانحطاط الأخلاقي المنافي للشرط البشري ، فهو ــ لا يمكن إذاً أن يقبل بتنفيذ مثل هذه المهمة القذرة ، لقاء أي ميراث دنيوي ، أو فردوس أخروي وحوريات ،  ناهيك عن أنه مناف تماماً لمنظومة التفكير الإسلامي الحميد ، الذي كان يربأ بالمسلم إزهاق أية روح دون أي وجه حق ، وهو ما سيظل وصمة عار أزلية على جباه الزنادقة

 

 

 

المفخخين ومن وراءهم ، أينما ، ـ وأياً ـ كانوا...!

كما انه يمكن القول ـ إذا كان الصمت الرسمي مفهوماً بحق المجزرتين البشعتين ـ لاسيما وإذا عرفنا بأن أكراد العراق لم يقصروا في واجبهم تجاه أشقائهم المسلمين ، ولعلنا ـ كمثال حاضر في الذهن ـ رأينا جميعاً كيف أن القائدين البرزاني و الطالباني ـ قدما العزاء بشخصيتيهما لسوريا عند رحيل السيد الرئيس حافظ الأسد ـ  وكواجب أخوي إسلامي ااا. اجل إلا أن الصمت الإعلامي العربي والإسلامي شبه الكاملين ، ما خلا حالات استثنائية طفيفة ـ يبدوان بدورهما مفهومينً في هذا المجال أيضاً ، خاصة وان توقيت المجزرتين جاء مترافقاً بفضيحة إعلان ــ بعض ــ أسماء عملاء صدام الذين حصلوا على كوبونات مالية ,من دم ,ونفط, أبناء العراق ، لأغراض معروفة ، ومنهم من توارى اسمه خلف شركات شكلية ،أو لم يدرج إسمه بعد ،،وهذا ما يستدعي إثارة المزيد من الأسئلة حول منظومة تفكير ــ هذا المثقف ، والطعن في مصداقية سلوكه ، لا سيما وأن كل ما يحيط بهذه اللعبة النكراء من :أصابع وبيادق, معروف تماما من قبله ، وهنا تحضرني صورة بعض الناعقين ــ إزاء خراب العراق ــ ممن غضوا الطرف  عما يدور بحق أخوتهم الأكراد وهم أشبه

بالمتفرجين كما وصفهم فرانز فانون في كتابه : معذبو الأرض ـ إذ قال حرفياً : ليس هناك أيد تقية ، ليس هناك " متفرجون " نحن جميعاً بسبيل تلطيخ أيدينا في مستنقعات أرضنا في الفراغ الرهيب الذي يرين على عقولنا . كل (( متفرج )) جبان أو خائن .

ومن عجب ،أن مثقفاً عراقياً أحترمه جدا ( ...... )  ، راح يكتب زاوية له ـ هادئة تماماً ـ صبيحة ذبح ـ القرابين الكردية ـ وكأن الأمر لا يعنيه البتة ، رغم أنه بات يهلوس متخبطاً  ـ خارج المنطق والسرب ـمنذ بداية احتلال العراق وعلى نحو تخريفي، لا نريده لقامة عالية مثله  ـ بحق ـ وبهذا الشكل ، وهنا اختتم هذا العويل، مذكراً بما قاله أحمد سيكوتوري في خطاب المؤتمر الثاني للكتاب والفنانين السود ـ روما 1959 = " ليس يكفي أن تؤلف أغنية ثورية حتى تشارك الثورة الإفريقية ، وإنما ينبغي أن تصنع هذه الثورة مع الشعب . ثم تأتي الأغاني من تلقاء ذاتها . من أجل أن تؤثر تأثيراً صادقاً ، يجب أن تكون نفسك جزءاً حياً من أفريقيا وفكرها ، يجب أن تكون عنصراً من عناصر هذه الطاقة الشعبية المجندة كلها لتحرير إفريقيا وتقدمها وسعادتها . ليس هنالك أي مكان في خارج هذه المعركة . لا للفنان . ولا للمثقف الذي ليس منخرطاً هو نفسه . وليس معبأ كله مع الشعب ، في المعركة الكبرى التي تخوضها  أفريقيا.

          القامشلي \4\2\2004