نحن وإسرائيل …مصيرٌ واحد وخيارات حضارية واحدة…!

 كامل السعدون


لم يكن عدائنا للشعب اليهودي ولقراره بإقامة دولته المستقلة على حصته من أرضه التاريخية الأزلية ، لم يكن هذا الخيار خيار أغلبيتنا العراقية ، العربية والكردية والتركمانية والمسيحية بأنواع تلاوينها ، بل كان خيار الأقلية الذهبية التي حكمت العراق من مثلث الوسط ممثلة بجنرالاتها النازيون في أربعينات القرن الفائت وصولاً إلى جنرالاتها القوميون في خمسينيات القرن والذين كانوا عرابوا القومانية العربية القادمة من الشام ، كما هم اليوم عرابوا الإرهاب الفاشي المقترن بالوهابية السعودية .
لم يكن خيار طرد يهود العراق والمشاركة في حروب العرب القومية الشوفينية ضد إسرائيل ، خيار شيعة العراق وهم أغلبية أهل البلد ولا خيار كرد العراق أو مسيحيوه أو تركمانه أو غيرهم ، بل خيار الأقلية السنية الصحراوية التي اغتصبت السلطة والثروة في العراق منذ إعلان الدولة العراقية في الربع الأول من القرن الماضي وحتى التاسع من نيسان من العام الماضي .
وتماماً كحرب العراق مع إيران وغزوه للكويت وتقتيل الشعب الكردي وإقصاء الملايين من العراقيين إلى دول العالم وقتل الملايين من العراقيين عبر حملات الأنفال والقصف الكيماوي والمقابر الجماعية و…و…و…الخ ، كانت الأقلية الذهبية هي وحدها وراء كل هذا بمباركة المحيط العربي والغرب والشرق معاً .
وإذ أزف زمن الطائفة الذهبية وسكان المثلث الذهبي وجنرالات المثلث الذهبي ، فإن تحرير العراق لن يتم وينجز إن لم نتحرر من خيارات المثلث الذهبي الطائفي التي لا زالت قائمة بيننا من خلال الاستمرار برفع شعارات العداء لليهود وإسرائيل وتحرير المسجد العمري وقدس عمر .
لقد كان لدينا من أخوتنا ومواطنينا اليهود قرابة المائة وخمسون ألف مواطن من بقايا يهود بابل الذين سكنوا العراق قبل أن يدخله العرب ذاتهم وبأكثر من ألف عام ، وهم اليوم يفوق تعدادهم النصف مليون ولهم كامل الحق في العيش في بلد أجدادهم وبجوار قبور أنبيائهم وأوليائهم كإبراهيم وناحوم وحزقيال وعزرا الكاتب ، وهذا حقهم الإنساني والديموقراطي العادل والشريف ، تمام كحق الفلسطينيين في أن يعيشوا في غزة والضفة الغربية وهي حصتهم التاريخية من أرض فلسطين .
لو إن شعبنا العراقي بما عرف عنه من تسامح وطيبة ونبل وعدل ، لو إنه كان له الخيار منذ البدء في تقرير من يكونوا أعدائنا ومن يصح توصيفهم بالأصدقاء ، لأظننا كنا قد وفرنا على أنفسنا الكثير جداً من الخسائر والكوارث ، ولكان العراق كالمغرب الذي لم يفرط بأبنائه اليهود ولم يخسر علاقته مع إسرائيل وأوربا والغرب عامة ولم يزجّ بنفسه في حروب العرب ولم يغزوه رعاع الشام وغيرهم فيحكموه من الداخل كما حكمنا الحصري والمفتي وعفلق والعيسمي وأخيراً الزرقاوي بالتواطؤ مع هذا المثلث الذهبي الظالم …!
ولو كان لشعبنا الخيرة في اختياراته لما أختار أن يستجيب للديماغوغية الشوفينية العروبية التي ثقفته قسراً على معاداة اليهود وإسرائيل ، وبالتالي لما اخترنا لبعض أبنائنا الموت في جنين ولما وصلنا لهذا اليوم الذي نموت فيه بالجملة بفضل إمارة شارع حيفا واللطيفية والفلوجة بأمراء الحرب فيها من الفلسطينيين والمصريين والسودانيين واليمنيين والسوريين …!
لماذا يقتلنا العرب بالمجان وبالجملة ونظل مصرين على خياراتهم الدموية وعداواتهم التاريخية التي لا يسندها علم أو منطقٌ أو عقل …؟
لقد أزف زمن السوامرة والتكارتة والكبيسيون والأعظميون وغيرهم ، وعليهم أن يؤمنوا أن ليس من العدل أو الحكمة أو المنطق أن يظل ولائهم عروبياً على حساب مصالحنا جميعاً ومصالحهم هم ذواتهم ومصالح أبنائهم وأجيالهم ومستقبل مدنهم الصحراوية التي يمكن أن تتحول إلى جنان الله في أرضه لو إنهم أعادوا تقييم الواقع ورسم حساباتهم من جديد على أساس المواطنة العراقية والقومية العراقية ومبدأ العراق أولاً …!
نحن بفضل الله وفضل أجدادنا العظام وبركة كل أنبياء وقديسو هذه الأرض الشريفة الطاهرة ومن كل الأديان والنحل ، نحن بخير ولدينا من الرزق أوفره وأعظمه وبمقدورنا أن نعيش جميعاً بسلام وسعادة ووحدة وطنية حقيقية راسخة وقوية إذا ما تخلصنا من بعض الإرث التاريخي السيئ الذي لا يقره العدل والضمير والمنطق ، كمسألة العداء لليهود ولو إننا أعدنا قراءة خارطة الواقع وأشرنا بالأحمر على الأعداء الحقيقيين الذين لا زالوا وسيظلون إلى ما شاء الله يذبحوننا كما ذبحونا طوال الأربعون عاماً الماضية وهم العرب والمسلمون لا اليهود ولا دولة إسرائيل …!
لقد كان موقف الرجل الشجاع مثال الآلوسي موقفاً عقلانياً منطقياً مستقبلياً جريئاً ، وأظن أن الرجل لم يبادر من تلقاء ذاته ، بل بمباركة عقلاء العراق وبالذات رئيسنا الهمام النبيل الياور ورئيس الوزراء الشجاع علاوي .
لقد كانت مبادرة ذكية تؤشر إلى اتجاه العراق الديموقراطي في تغليب المصلحة الوطنية وبناء جسور العلاقة مع دول العالم على أساس المشتركات الحقيقية المنطقية العملية ، وأبرزها المصلحة المادية والأمن ومقاومة الإرهاب والمشترك التاريخي والعرقي الكبير الذي يجمع بين العراق والحضارة والتاريخ العراقي وبين دولة إسرائيل وشعب إسرائيل وحضارة إسرائيل .
أتمنى والله على قيادة بلدي أن تسارع إلى الاعتراف بإسرائيل وعقد الاتفاقات الأمنية والاقتصادية معها منذ الآن لأننا في خطر داهمٍ وإسرائيل لديها مصالح معنا لا ضدنا ويمكن أن تدعمنا بخبرتها الكبيرة في مقاومة الإرهاب الإسلامي ، ووالله لو نجحنا في عقد مثل هكذا تحالفات الآن لأمكن لنا أن نوفر الكثير من الأموال والدماء التي تهدر كل يوم بفضل إرهابيو فلسطين ومصر والسودان المقيمين بيننا ببركة بعض أشياخنا الصداميون الطائفيون …!