العامل النفسي في قضية كركوك:

كي لا تتحول الضحــــــــــــــــــــــــــــــــــــية إلى معتدي!!!

 

بقلم ميرزا حسن دنايي*

للمتتبع لقضية أو مشكلة كركوك الحق في الوقوف حائراً مستغرباً متأملاً، إذ أن الاحداث التي تتسابق زمنياً والمعضلة التي يقف أمامها كل ذي علاقة ليست في مسار الحل الامثل. فهناك عشرات الآلاف من العوائل الكوردية والتركمانية والكلدواشوربة والعربية تقف –كل حسب طبيعة وجودها- على إحدى دفتي السفينة، التي ما أشبهها بالمثقوبة التي توشك أن تغرق إن لم بسعفها راسمي سياسة عراق اليوم أو بالاحرى سياسة عراق الغد.

 

الوصف النفسي للحالة:

الواقع يفشي لنا عمق المأساة التي يعيشها الكركوكي، إذ أن هناك طرف مغدور عاش عشرات السنين مشرداً مطروداً من ملكه وماله، بل ومحروماً من كل ما يجمعه بذكريات المكان والانتماء. فخزن من أحزان الماضي رغبة جامحة للعودة إلى الديار التي حرم منها دون وجه حق، ليس لذنبٍ أو سبب سوى أنه ولد على أرضٍ غنية بالنفط، يغتصبها الحاكم القاسي.

فمرت السنين عليه، ربما عشرات السنين في الشتات، يعقد أماله على الاحزاب التي رفعت شعارات تهز عاطفته مثل  الاتحاد الوطني "كركوك قدس كوردستان" وشعار البارتي "كركوك قلب كوردستان". فأخذت أحلام العودة تراوده كل يوم. ومع زوال النظام الذي فرض مثل هذه الحالة الشاذة، أصبح الكركوكي المشرد قليل الصبرِ، متسرعاً، وتواقاً إلى العودة راغباً أن يجد نفسه مرة أخرى في حضن مدينته المشؤومة التي أصابتها لعنة الذهب الاسود.

وعلى كفة الميزان الاخرى شخصٌ آخرٌ "محشور" وجد نفسه مولوداً على أرضٍ منحت له، وملكٍ أصبح هو صاحبه، فلم يفكر حينها بقضية حق أو دون حق، فالدولة هي "مشيئة الله على العباد"، والحاكم هو ممثل السماء والمانح والسالب، الذي يعطي ويأخذ دون حساب.

هنا وفي ظروف كهذه حين يمنح "قانون الحاكم" مواطنا ما منحة أو هبة معينة، تستوفي المنحة بذلك شرعيتها "القانونية" وتبقى الشرعية الاخلاقية والدينية، ويبقى السوأل الفلسفي (هل يحق لي أن أقبل كل ما يعرضه الاخر علي، وأن آخذ كل ما يقدم؟ أم أن هناك ما يهدى  ولكن لا يحق لي أن أقبل؟).

في مجتمع عشائري بدائي يصبح للموضوع  وجهة نظر مختلفة. فإما أن لا بقبل الفرد أن يستولي على مال النهيبة ويراه إغتصابا وعدوانا على أخٍ له في الدين أونظير له في الدنيا. أو أن تنظر العشيرة من مبدأ متخلف قديم، فتحسب الامر غنائم حرب أو جزية سلطانية محللة من "أولي الامر".

فأثناء عملية القرصنة الصدامية في نهب الاهالي، بهدف التغيير الديموغرافي، وجدنا أن الكثير من العشائرالعربية التي نظرت إلى عملية الاستيلاء على أموال أبناء كركوك، محرمة من زاوبة أخلاقية، فرفضوا القدوم إلى كركوك، حيث يتشرد أهلها. ولكن آخرين قبلوا هذه الجزية من "أولي الامر"، ولظروف أغلبها مادية، ونظراً للإغراءات التي كان صدام يقدمها للمهاجر، أو المستولي.  

والذين قبلوا على أنفسهم الاستيلاء على أموال الكورد والتركمان في كركوك هم من بواطن النوع البدائي من المجتمع الشرقي، الذي كان من الناحية النفسية مقتنعاً أنه بذلك لايخرج من الشرعية، ولهذا فإن حالتهم النفسية اليوم هي موقف الفرد الذي يتهيأ، وكأن الغير سوف يسلبوه ماله وحقوقه، فتراه يعتبر أن حالة عودة المهجرين "غير شرعية"، فهم بذلك يغتصبوه حقه المكتسب.

 

الوصف السياسي للحالة:

المعضلة السياسية تكمن في الجانب الكوردي، وعند باب القيادة السياسية الكوردية أكثر من غيرها. فهي الان مطحونة بين المطرقة السندان. فمن جهة الوعود والاهداف والمبادئ التي تربت الاجيال عليها، المتمثلة بإسترجاع الحقوق المغتصبة، هذا يعني أنها واقعة الان تحت الضغوط الملحة لشعبها. ولكن من جهة أخرى عليها أن تنصاع لمبدأ الدبلوماسية والتفاوض، الشئ الذي يحتاج إلى وقت وصبر وتمهل، ومواضيع قابلة للمناقشة والتنازل.

القيادة الكوردية الان حتى من الناحية الاستراتيجة في مأزق، فهي تدرك تماماً أن العد التنازلي قد بدأ وأن كل يوم يمر يعني أن العودة وإجراءاتها ستكون صعبة، وربما يأتي يوم تكون العودة فيها مستحيلة. ولكنها من جانب آخر في مرحلة الدبلوماسية وتحاول أن تثبت وجودها في اللعبة السياسية على الساحة العراقية كقوة تسعى إلى الوحدة والتآخي بين أبناء العراق. وبالتالي يتوجب عليها –لكي تربح هذه اللعبة-، أن تقنع العالم أن الكورد ليسوا رجالات حرب الجبال فحسب بل بارعين في دبلوماسية التفاوض أيضاً. فتمارس وتتقن دور المظلوم الذي يوشك أن يأخذ حقه، ولكنه يعامل الماضي الظالم بمبدأ "العفو عند المقدرة". وإلا فإنه قد يتحول بين ليلة وضحاها من ضحية إلى معتدي. وبدلاُ من أن ينظر إليه كمظلوم يسترجع حقوقه، سوف يراه الكثيرين أنه يعتدي على المواطنين العرب الصالحين الذين يطردون من بيوتهم في كركوك على أيدي المسلحين الكورد –كما نسمعه بين الفينة والاخرى من وسائل إعلام تخريبية.    

ولكن أية صيغة هي الانسب، وكيف لها أن تعالج المشكلة. هل هي صيغة إستعراض العضلات والتصريحات الواضحة والصريحة والمتشددة، كتصريحات الاستاذ البارزاني في جولته إلى تركيا وسوريا، لكي يعرف كل من تسول له نفسه، أن كركوك لن تكون لغير الكورد وأن القيادة الكوردية تجلس على طاولة المناقشة وفي أجندتها برنامج عودة المهجرين، ولكنها لا تتفاوض على عائدية المدينة وأصلها. وبالتالي يدخل الطرف العربي "المستورد" في التفاوض وهو عارف بديهياُ أنه تارك هذه المدينة، وليس له سوى حق الانسيابية في إجراءات "إقتلاعه" من منحة السيد الرئيس، وطبعاً حقه المطالبة بتعمير أرضه البور الاصلية في الوسط والجنوب.

 

الوصف الاجتماعي الانساني للحالة:

    يُنظَر إلى الطرفين الاول والثاني من هذه المعادلة المعقدة من زاوية سايكوسوسيولوجية مختلفة. وهي زاوية التطبيع (integration) والتي تعالج المأزق بصيغة قد تكون غير مرضية:

فالطرف الاول "الكوردي المهجر" الذي قضى أكثر من جيل في منفاه قد تم تطبيعه من الناحية النفسية على أمل العودة، وكبتت مشاعره آلاف الآلام والجروح والذكريات المريرة حول إغتصاب حقه. فأصبحت الاحقاد والكراهية تجاه المغتصب جزءاً من بنيانه النفسي، وليس من السهل أن تخلق من هذه الشخصية فرداً يقبل العيش مع الطرف الاخربسلام، بل أن الخوف أكبر من وجود (نفسية عنفوانبة تعميمية generally aggressive personality) حاقدة على كل شبيه أو مرادف للمغتصب الاول، كأن يكره الكركوكي المهجر كل عربي في كل مكان. ولأن الشرق الاوسط عامة ومنه العراق يفتقر تماماً إلى مراكز دراسات علم النفس الاجتماعي الذي يوضع في خدمة المعضلات الاجتماعية، فأننا بلا شك نجهل مدى قوة بروز مثل هذه الحالات النفسية داخل المجتمع المهجر، وبالتالي لا نستطيع أن نتكهن إحتمالية ظهور أنواع  من العنف الغير مبرر من قبل بعض الكورد أو التركمان المتضررين الذين تحطمت نفسيتهم السوية، حتى بعد حل المشكلة فتكون كركوك مرتع القلق والمشاكل دوماً. وليس غريبا أن يكون من الصعب لسلطات كركوك أن تقوم بعملية التطبيع للعائدين لأنهم تحت ضغط نفسي (بعدم قبول التطبيع disintegration  ) وتستمر هذه الحالة بسلبياتها، فتصرف كركوك نصف ذهبها الاسود على الامن الذي لن يستتب.

والطرف الثاني "العربي المستورد" قدم إلى كركوك منذ أكثر من جيل. هذا يعني أن الجيل الثاني من العرب المقيمين في كركوك ترعرعوا هناك، ويفتقر البعض منهم إلى معلومات عن خلفية قدومهم إلى كركوك. هذا يعني أنهم سوف ينظرون إلى عودة المهجرين وكأنهم هم المعتدين والمغتصبين "لأرضهم". فتتولد لدى هذا الجيل الحالة النفسية بالغبن وبالتالي يتولد عنده الحقد ضد الكورد ويبدأ العنف بين الجيل الثاني من المستوردين والجيل الثاني من الكركوكيين العائدين. وهنا يتوجب الاشارة مرة أخرى إلى أننا نفتقر إلى دراسة علمية نفسية-إجتماعية دقيقة تحلل الحالة في كركوك بصيغة موضوعية. فأهل المنطقة هم إحد الطرفين. والصحافة، لم تتبن سوى المواضيع الانية من قضية كركوك. والدراسات الاخرى للباحثين كانت دوما سياسية أو تاريخية أو إجتماعية، ولكن لم تكن نفسية.... فهل هناك من حلول؟

____________

* باحث في قسم الطب النفسي بجامعة يينا- المانيا الاتحادية