جدوى توسيع مجلس الحكم في المعادلة الآنية الفوضوية

 هل سيتم تجاهل الاقليات الايزيدية والصابئة مرة أخرى؟

 

ميرزا حسن دنايي

 

مضت شهور قليلة على تأسيس مجلس الحكم الانتقالي، حاول الاعضاء فيها جهدهم أن يكسبوا تأييد الخارج فيحصلوا على الدعم الكافي ليكونوا "ممثلي العراق الشرعيين"، فبدأت الرحلات المكوكية للأعضاء لإقناع الدول العربية والغربية بالاعتراف به حتى ولو كانت السلطة الفعلية بيد الحاكم المدني بريمر. ورغم أن الكثير من الدول التي إعترفت بشكل أو بآخر بهذا المجلس، لم تفعل ذلك برضاها، وكان الاحرى بها أن تفعل ذلك، لأن مجلس الحكم الانتقالي، رغم كل ثغراته ونواقصه، بداية ظاهرة مميزة في الشرق الاوسط، وربما يعتبر المجلس أكثر حكومة شرقاوسطية، تستطيع أن تقول أنها تمثل شرائح واسعة من المجتمع، خلافاً لبعض الحكومات التي إضطرت الاعتراف بالمجلس تحت ضغط أمريكي كان يتبع في الخفاء بظلاله تحركات المجلس الدبلوماسية... ونجح المجلس إلى حد ما في كسب تأييد خارجي.

 ولكن مجلسنا الموقر لم يستطع أن يقنع حليفه الامريكي بول بريمر بأن العراقيين سوف يكونون أكثر حرصاً ونجاحاً من الجنود الامريكان الذين يريدون أن يفرضوا الامن والاستقرار على أرض لا يعرفوا لغتها ولا طباع شعبها، ولم ينجح مجلس الحكم في إقناع التيارات السياسية خارج "الحكم" بقبول الامر الواقع، أي العمل فقط "كمعارضة" داخل العراق، فقد بادرت التيارات السياسية المتعددة بالركوض من هذه الدولة إلى تلك، خلف أو أمام الحكم الانتقالي، لينقلوا أن صوت العراق ليس في مجلس الحكم وحده بل هناك آخرون وآخرون، وذهب البعض إلى أبعد من هذا وقالوا أن لا شرعية في مجلس الحكم كله.

وأقول الصراحة، إن هذه المبادرات السياسية المتوازية للطرفين "الحكم ومعارضيه" أعجبتني كثيراً، وفرحت أن تيارات وطنية معارضة كالحركة الملكية على سبيل المثال لا الحصر لم توقف دبلوماسيتها في إيصال صوتها إلى الخارج، علماً أن إتجاه تفكيري مؤيد ومساند للحكم الانتقالي –بإستثناء أنه كان ولايزال يتجاهل أبناء طائفتي الدينية (الايزيدية) والتي تناهز النصف مليون نسمة-، إذ بقي الحكم الانتقالي يمثل التحالف الاكبر بين القوى العراقية، سواء مع أو بدون مساندة الامريكان.

وأما تحركات معارضي الحكم الانتقالي، فهي إيجابية لأنها تجعله أكثر دقة في إتخاذ قراراته، وتضعه خاضعاً للرقابة الدائمة، وبذلك نطمئن أن التيارات الداخلة في هذا الحكم لن يصيبها الغرور وعقدة التمسك بالكرسي –حيث لاننسى أن "الكرسي" مرض مزمن في عقولنا نحن الشرقيين، وإن فُسِحَ المجال لهذا الوباء فسوف يشكل أكبر خطورة بوجه الديموقراطية التي ننشدها في العراق. لحسن الحظ لم يحصل هذا بعد، إذ نرى أن كافة "الحاكمين"، إن صح التعبير، لا يتأخرون لحظة في قول أنهم مدركون أن مجلس ال25  لا يمثل كافة شرائح المجتمع.... وربما كان هذا سبباً قوياً في عرقلة بعض الاعمال الضرورية لهذه المرحلة، منها لجنة أو مؤتمر لصياغة الدستور.

وربما أوصلت الاحداث مجلسنا، إلى جانب المشاكل الداخلية التي لايتم حلها، إلى قناعة أنه يحتاج إلى توسيع أرضيته، ليشمل إتجاهات وتيارات أخرى. وهنا يتساءل المرء عن طرق التوسيع، فإما إختيار عدد آخر من مسؤولي التيارات السياسية والاجتماعية بشكل إنتقائي، أو اللجوء إلى الانتخاب.

وللطريقتين أوجه سلبية، فمن شبه المستحيل إجراء أنتخابات نزيهة دون إحصاء عام، ودون إستتباب الامن، فعلى الاغلب أن مثل هذه الانتخابات لو أجريت سوف لن تكون ذات نتائج محمودة، إذ نتابع عن كثب ما يسمى بالانتخابات في بعض المناطق ومنها قبل فترة وجيزة في قضاء سنجار، فعلمنا أن ضابطاً أمريكياً مرتشياً (قبض رشوة 12000 دولار) لكي يتلاعب بالنتيجة لصالح صاحب الرشوة. وهذا يعنى أن الانفلات والفساد سوف يساعدان إجراء انتخابات غير نزيهة، وربما تظهر نتائج لاتتفق مع الحلم العراقي البسيط (بالحرية والسلام والامن والعيش الكريم)، فتستلم دفة الحكم مجاميع فاسدة تنهب البقية الباقية من ميراث صدام وزبانيته.

أما الطريقة الثانية وهي إختيار تيارات أخرى للدخول في المجلس، فذلك إجراء لن يرفع تهمة المعارضين الطاعنين في الشرعية المجلس أولاً، وثانياً من الصعب إيجاد معيار موضوعي للإختيار: فهل يتم إختيار أولاءك الذين تربطهم علاقة جيدة مع بريمر، ممن أستطاعوا الوصول إليه؟ أم سوف يختارون الاشقياء لكي تهدأ سكينتهم؟ أم يختاروا شخصيات صدامية لأمتصاص إرهابهم اليومي...؟

فإذا كان الغرض من التوسيع هو إمتصاص الاصوات التي إتجهت إلى الخارج لبناء دبلوماسية "معارضة مجلس الحكم من على منابر الدول والجامعة العربية" أو كبت تلك الانفاس تلك التي توظف مال قارون لشراء القاذفات والقنابل لقتل هذا وذاك فيحترق الاخضر واليابس، أقول إذا كان هذا هو الغرض؟ فأبشر الاقليتين الدينيتين (الايزيدية والصابئة) وغيرهما من شرائح من المجتمع المظلومة كالشباب والفقراء -الذين كتب عنهم وعن حصتهم الضائعة أحد كتاب جريدة الزمان المبدعين قبل فترة- أبشرهم جميعاً أنهم لن يجدوا ولو كرسياً على باب مجلس الحكم المرتقب، لأن الصفات الثلاثة لا تنطبق عليهم، فلم يكونوا جزءاً من دبلوماسية المعارضة إلى الخارج، وليسوا ضمن قوائم الاشقياء والصداميين وتجار صفقات القنابل.

أما إذا كان القصد من هذا التوسيع هو إعطاء كل ذي حق حقه، كما يصرحه جميع أعضاء المجلس وفي مقدمتهم الرئيس الحالي (الاستاذ جلال طالباني)، فإنني رغم مباركتي العاطفية لتلك الخطوة، لا أخفي شكوكي الموضوعية في جدوى الامر بمجمله، لأن السؤال هو هل حقاً توسيع المجلس سيصبح علاج لكل داء، وتحقيق للحلم الاسير في إستتباب الامن وتوفير العيش الكريم للمواطن، لأن ذلك هو حلم كل عراقي؟

والجواب أن مجلسنا الموقر سوف يبقى مكبلاً، طالما بقى السيد بريمر والجيش الامريكي متمسكاً بكافة (صلاحياته) كقوة إحتلال، لن تحدث خطوة واحدة نحو الامام في مجالات الامن والاستقرار، حتى ولو توسع مجلس الحكم ليشمل ال(25 مليون عراقي)، هذا من جهة. إلى جانب ذلك، علينا أن نعترف أيضاً، أنه طالما هناك تيارات سياسية تسعى إلى المكسب الذاتي فقط، لأجل توسيع قاعدتها الحزبية على حساب الغير حتى ولو لم تتيسر أمور الامة، فسوف نجد أن كل قرار يصدر عن السلطة الوطنية الجديدة راكداً على رف من رفوف النسيان والجمود، وتصبح هناك دول في دولة، وحكومات في حكومة... ويبقى المتضرر الوحيد هو المواطن الموجوع.

______________________________________