قشطتك أصبحت فاسدة يا كاتبنا القشطيني
ناجي عقراوي
كتب الأستاذ خالد القشطيني في جريدة الشرق الأوسط الغراء مقالة ، ينصح فيها الشعب الكوردي ، بالذوبان و الأندماج في بودقة أمته العربية و في بودقة القوميات الأخرى كالترك و الفرس ، و عدم المطالبة بحقوقهم او بحق تقرير المصير ، لأن ليست لهم لغة و لا مقومات تشكيل كيانهم القومي المستقل ، لأن الله قد كتب عليهم ان يكونوا عبيدا للقوميات التي تستعمرهم ، و قد أوحى له الله بهذه النظرية الفذه ، لأن سبحانه تعالى يعتبر الكورد ، هم أساس كل المصائب و الغرائب على وجه المعمورة .
لو جاء هذا القول على لسان حاملي الجمرات الخبيثة ، من العنصريين و انصاف الكتاب لكان ذلك هينا ، و لكن اذا ما صدر من شخص صحفي و كاتب معروف ، و عضو في لجنة الدفاع عن الديمقراطية و الحريات في العراق ، فهذا أمر خطير و مرفوض و مدان ، و لأن هذا التصرف تراجع عن مواقفه السابقة ، و يراد بقوله أبتذال لمعاني الكرامة القومية و الوطنية لشعب ، و لتراث أمة تعدادها عشرات الملايين ، متناسيا بأن الشعوب الأبية و المطالبة بحريتها ، لا يمكنها ان تعيش في كنف الآخرين ، او تتعايش بأفكار الآخرين ، كما فعل هو مع أبنائه في أنكلترا حيث يقول بأنه منعهم من دراسة لغتهم الأم ، و لا نعرف لماذا لا يطالب من بني جلدته من العرب في اسرئيل بما يطالب به الكورد ؟ !!! ، و لا ندري ايضا مدى جدوى بقائه في تلك اللجنة .
لا نعلم من جعل من كاتبنا وصيا و أمينا و ناصحا للشعب الكوردي ، فاذا كان السيد الكاتب يعتبر تعلم الأنسان لغته تخلفا و ذلا و أهانة ، هذا أمر يخصه و متروك له ، لأننا لا نشاركه الرأي في بدعته الجديدة و العجيبة و الغريبة ، لأننا سمعنا الكثير مثل هذه الطروحات و الأفكار غير الواقعية و العقيمة ، و التي سمعناها تحت واجهات شوفينية و عنصرية ، مغلفة بغلاف الأخوة و الحرص و المصير المشترك ، فالشعوب لا تجلد ذاتها ، هذا ما نعرفه من التاريخ و من الواقع ، و هي التي تستطيع ان تحمي نفسها ، و تعرف كيف تبتعد عن الأوبئة .
الكورد متواجدون على أرض وطنهم منذ قرون سحيقة و قبل مجئ العرب الى وطنهم ، و أثبتوا دوما مناعتهم القوية على مر العصور و الأزمنة ، و المظالم الكثيرة و العديدة و الأبادات الجماعية التي تعرضوا لها عبر التاريح ، لم تؤثر في مسارهم و لا في مصيرهم ، و الكورد يعلمون الى حد اليقين بأن لهم أعداء خارجيين ، و لكنهم أصبحوا في حالات كثيرة مقهورين بفعل أعداء الداخل ، الذين يلبسون قفازات مخملية ، فبدلا من ان يقوموا بتنظيف الحقل من الأشواك ، يلدغون بسمومهم الآخرين .
المفروض بالسياسي او الصحفي ان يكون ملما و مطلعا على التاريخ ، و خاصة في مجال الثقافي منه للشعوب ، و الا أصبحت اللهجات العديدة للشعوب العربية او التركية أو لغيرهما ، لغات مستقلة و قائمة لذاتها و لا ترتبط بلغة الأم ، و الذي نعرفه بأن اللهجات تعتبر كلاما محكيا للتفاهم اليومي ، و هي حالة موجودة لدى شعوب العالم قاطبة ، و هناك دعوات في الدول العربية تنادي بجعل اللغة المحكية لغة رسمية بدلا من الفصحى ، و خاصة في مصر قلعة العروبيين ، بحيث جعلوا لهجتهم المحكية اساس كل أفلامهم و مسلسلاتهم ، حنى عمموها على العالم العربي و الأسلامي ، بل هناك عمالقة من كتاب و شعراء في بلاد النيل ، الفوا رواياتهم و قصائدهم باللهجية المحكية و منهم نجيب محفوظ و الحجازي و غيرهما ، و لا ننسى دعوة الكثير من المفكرين اللبنانيين و مطالبتهم بجعل اللهجة اللبنانية المحكية لغة رسمية ، و يأتي في مقدمة هؤلاء المفكر و الشاعر سعيد عقل ، و هناك في البلدان المختلفة المئات من الشعراء ، ينظمون قصائدهم و أهازيجهم باللهجة الشعبية و منها العراق .
ان اختلاف اللهجات المحكية في لغة ما ليس معناه أنكار وجود لغة الأم التي توحد هذه اللهجات ، و ما حصل للكورد من أختلاف اللهجات مثل بقية الشعوب ، جاءت بسبب الطبيعة الجغرافية لكوردستان ، و السبب الأهم تعود لأسباب سياسية بسبب تقسيم كوردستان بين العرب و الفرس و الترك ، و لا ننسى العامل الديني ايضا .
أن تهميش و أذابة الشعوب ليست بهذه السهولة التي يتصورها البعض ، و الدعوة من الكورد النوم في سرير العربي او في سرير الآخرين ، ليبنوا سعادنهم على بؤسنا و ليتقاسموا الأفراح و الأتراح مع الترك و الفرس ، نقول لهم أننا عقمنا و لا نستطيع الأنجاب ، بعد ان جعلتم من بساط بيوتنا معلقة في سقوفها ، بأسم الوطنية و الدين و المصير المشترك و بدع الأمة و غيرها من الترهاتات ، و لا زلتم تحرقوننا بشرا و حجرا و شجرا و زرعا و ضرعا ، و جرى بيع ابنائنا و بناتنا الى ملاهي مصر العروبة ، و تحويل الأخرين منهم الى غلمان و قيان و جواري لأمراء الخليج من العربان ، و جعلتم من الباقين حقول تجارب على الأسلحة الكيمياوية و الجرثومية ، لذا أصبح النوم في مثل هذه الأسرة تجلب لنا الكوابيس المرعبة ، و تفسد علينا حتى أحلامنا ، لأننا لم نشعر يوما بالسعادة وان كنا أحياء ، بعد ان غيب حكامكم أهلنا و أبناء شعبنا في جوف الأرض العميق ، أليست انتفاضاتنا و ثوراتنا دلالة على الرفض ؟ ، و تضحياتنا و المظالم التي تحصل لنا اليست دلالة على حيوية و أستمرار وجود شعبنا ؟ .
الكثير من المثقفين و الكتاب و السياسيين العنصريين و من الممنوعين من الصرف و الأعراب ، من العرب و العراقيين يكيلون بمكيالين ، يشتمون الأستعمار العثماني ليل نهار ، و كذلك الفرس المجوس ، و لكن حينما يتعلق الأمر بالكورد و حقوقهم ، ينسون كل ذلك و ينسون الوطنية التي كانوا يتغنون بها ، و جهارا يطالبون الترك و الفرس للتدخل و تجييش الجيوش لوأد الكورد ، و سرعان ما يعلقون مطالب الكورد على شماعة اسرائيل ، و بدون حياء و خجل او قطرة عار ، ينسون بأن الأعلام الأسرائيلية ترفرف في العواصم العربية ، و الأتصالات تحت المائدة مستمرة مع الدولة العبرية ، و بوس اللحي جاري على قدم و ساق هنا و هناك ، و الفلسطينيون ينادون اولاد عمومتهم بسلام الشجعان .
السياسي يجب ان يقرأ الأحداث ، لأن المظاهر قد تكون خداعة ، و تبدل الأحكام مرهون بتبدل الأزمان ، لذلك نقول لا أمريكا و لا الدول الأقليمية ومنها الدول المجاورة للكيان العراقي المستحدث ، لا تستطيع تحديد دورها في المنطقة ، دون نيل الكورد لحقوقهم المشروعة ، و بتجاهل حقوق الكورد لا تستطيع اية قوة تحديد أدواته بصورة مطلقة في العراق ، نتيجة تفاعل الكورد مع التعددية الدينية و المذهبية و القومية للشعوب العراقية .
الكثير من السياسيين العراقيين مع الأسف ، يشبهون انفسهم بقائد فرقة موسيقية ، يمسكون العصا و هم لا يعرفون معنى مسك عصا القيادة ، لأنهم اساسا لا يعرفون العزف ، ومن ثم يطالبون الكورد بأن يخضعوا حياتهم لمنطق أقدارهم ، و هم أنفسهم لا يعرفون أرقام أقدارهم .
لا نعرف كيف لم يسمع كاتبنا بشعراء و ادباء الكورد كأنه قد جاء من المريخ ؟ ، و كذلك لا نعلم هل ان الكاتب قد سمع بالدول المهجرية في عالمنا المعاصر ؟ و لا سيما ان دولة قطر العظمى و مملكة البحرين المعظمة ، تقعان على مدى حجر من حدود العراق ، ام أنه ضعيف في الجغرافية السياسية أيضا .
المشاهد البسيط لوسائل الأعلام و المبتدأ في السياسة ، يعرف من أن الحريات المخنوقة في عالمنا المعاصر ، أخذت تتنفس رويدا رويدا أنفاس الحياة ، و أصبحت الشعوب تخضع حياتها و مستقبلها لقوانين منطقية لا غيبية ، و الكورد اسوة ببقية الشعوب تفتحت بصرهم و بصيرتهم ، لكن السيد الكاتب اراد ان يصنع من الحليب بعض المشتقات ، من لبن و جبن و قشطة ، و حينما تذكر بأن الحليب ليس حليبه ، تذكر خميرة قائد عروبته الجرذ فوضعها في مشتقات الحليب ، فأفسد الحليب و مشتقاته و منها القشطة ، فأصبحت المبادئ التي كان ينادي بها ، مثل الميزانية المرهقة عليه و ما اكثر أمثاله في عراقنا الجديد .