قراءة في سذاجة السياسة الخارجية العراقية:

لقد آن الاوان لتوطيد علاقة استراتيجية مع إسرائيل

 بقلم: ميرزا حسن دنايي*

ليس بخافي على المتتبع للسياسة الخارجية منذ أن تأسست جمهورية العراق وحتى سقوط النظام، أنها كانت سياسة مبنية على مزايدات هشة، ومعادلات مختلة، التي لم تكن في يوم من الايام لصالح الشعب العراقي ولم تكن لصالح بناء العراق وتنميته. بل على العكس تماماً، فقد كان العراق دوما الطرف المتضرر من تحالفاته واتفاقياته مع دول العالم سواء كانت مع الجوار العربي أو مع العالم الشرقي والغربي. ولنأتي إلى ذكر طبيعة هذه العلاقات والسياسة الساذجة للنظام، لكي تتوضح الصورة أمام أعين رسامي السياسة العراقية في العهد الجديد:

 أولاً: العلاقة مع الجيران: الاعتداء والمؤامرة

في وقتٍ كانت كل دول العالم -الفقيرة منها والغنية، المتقدمة منها والنامية- ساعية إلى بناء علاقات حسن الجوار وتوطيد النشاطات الاقتصادية والسياسية مع جيرانها، كان حكام العراق يحققون الرقم القياسي بحبك المؤامرات ودسائس وخلق حروب مفتعلة مع الجيران:

1. سوريا:

 فالعلاقة مع الجارة سوريا، كانت مبنية على المزاج والسجال والتقارب والتنافر. حتى الفترات الزمنية القصيرة من تقارب الدولتين، كانت لاتخلو من رسم الدسائس والمؤامرات، رغم أن الشعبين العراقي والسوري على إمتداد الحدود مرتبطان ببعضهما البعض بالنسب والقرابة. وكان يفترض بالدولة أن تستغل ذلك لفتح آفاق إقتصادية جديدة تفيد الشعبين. أضف إلى ذلك، أنه لايفترض الاستهانة باستراتجية سوريا الجغرافية بالنسبة للعراق، فهي أقرب معبر تجاري للوصول إلى البحر المتوسط.  

2. إيران:

والعلاقة مع إيران أدت كما نعلم إلى مأساة دموية، فبدل من أن يستفيد العراق من تنوعه الديني والمذهبي، ويستفيد من كون معظم الايرانيين يدينون المذهب الشيعي، وبالتالي يستفيد من وجود أهم مقدساتهم وأهم مرجعيات الشيعة على أرض العراق، وهذا الامر كان سيدر على العراق خلال العقود الماضية مليارات الدولارات من السياحة الدينية أولاً، وكان يفترض بالعراق أيضاً أن يستفيد من الجانب الروحي وتعلق الناس بمقدساتهم، فتنمو علاقة روحية بين الشعب الايراني والعراق ثانياً. بدل من بحر الدماء وحرب راح ضحيتها مئات الالاف دون سبب.

3. الكويت والسعودية:

ونفس الشئ مع الكويت، التي ترتبط مع أهل البصرة بصلات الدم والقربى، ودولة الكويت هي منفذ العراق المباشر على الخليج. نرى أن الحمق والسذاجة يصل بالقيادة العراقية إلى درجة أنها تصورت أن مغامرتها في إحتلال الكويت سوف تعتبر شأنا عربيا داخليا، أو أن ذلك سوف يمر على الدول الغربية والعالم، كما لو أن ذلك حدث في عمق أفريقيا بين قبيلتين ليس لهما دور في الخارطة السياسية و الإقتصادية العالمية. ونسي الحاكم العراقي أنه لو بقي مالكاً للكويت فأنه سيصبح أقوى طاقة نفطية في العالم، أي يكون هو مقرر مصير العالم الغربي... ولم يسأل الحاكم العراقي نفسه: هل يعقل أن يقبل العالم المتحضر أن يضع روحه في يد قروي متخلف من العوجة؟

والملف الكويتي هو جزء مكمل للملف السعودي، لأنها مسألة نفط. فالسعوديون لم يكونوا مستعدين يوماً أن يتركوا العراق يغلبهم في الاحتياطي النفطي. ولم يرغبوا أن يكون العراق دولة عافية معافاة، وكذلك بقية دول الخليج. فنرى أنها دعمت وبكل جهدها الحرب العراقية الايرانية. ليس كما تصوره الحاكم العراقي أنهم كانوا يدافعون عن البوابة الشرقية للوطن العربي، بل لأنهم بذلك كانوا يرمون الحطب لنار من شأنها أن تحرق العراق وبالتالي تحمي الخليج من شر العراق.

وهذا فقط لأن العراق لم يكن يملك رؤية ناضجة لبناء جسور الثقة مع جيرانه الخليجيين، فكان الكل يخافه ويشترون بلاءه بدفع ديون مؤجلة دون حساب.   

4. الاردن:

إلى جانب علاقة ساذجة وسيئة مع أربعة جيران مهمين، نرى أن السلطة العراقية تبني علاقة وطيدة مع الاردن الذي لايشكل أهمية إستراتيجية للعراق على الاطلاق، بل على العكس، كان الاردن ولايزال يعتاش على علاقته الاقتصادية مع العراق، وقد كان الاردن هو الطرف الوحيد المستفيد من تلك العلاقة. وكانت حماقة النظام في تشكيل ما يسمى بمجلس التعاون العربي، التحالف الغير متكافئ مع ثلاثة دول لاتهم العراق على الاطلاق. الاردن، فمصر التي لا تملك غير ثروة بشرية أي "جدعان" وهي دولة متخمة بالديون، وهذا ما لايحتاجه العراق، لأن عدد سكان العراق أخذ بالازدياد بشكل درامي، مما يجعل العراق غير محتاج لأيدي عاملة. وأما اليمن "السعيد" البعيد، الذي إتحد للتو بشكل غير مدروس، مما خلق مئات الدول في دولة صغيرة، والدولة نفسها محصورة في العاصمة، حيث السلطة تقف مكتوفة الايدي أمام رئيس عشيرة عاصي. وما حصل لهذا المجلس أنه بنى عدة قصور رئاسية هنا وهناك، وصرف ما يمكن صرفه من أموال الشعب العراقي على سهرات الرؤساء الاربعة.

5. تركيا:

لم يكن العراق يشترك مع تركيا في علاقاته سوى بناحيتين، الاولى القمع المشترك للشعب الكوردي والتعاون من أجل إخماد ثوراته هنا وهناك، وفتح الحدود الاقليمية بمصراعيها للجيشين لهذا الغرض. أما العامل المشترك الآخر فكانت السوق السوداء لسرقة ملايين البراميل من النفط، ووضع عائداته في جيب أزلام النظام العراقي. أما العامل الاهم فلم يكن ببال العراق، وهو أن تركيا هي بوابة العراق على اوروبا، وتركيا هي حلقة الوصل بين العالم الاسلامي والعالم الغربي، وهذا امتياز بحد ذاته، يمنح اهمية كان للعراق أن يستفيد منها.   

 

ثانياً: العلاقة الفاشلة مع أوروبا "الامبريالية" ووالعراق بقرة حلوب للكتلة الشرقية

لو راجعنا تاريخ العلاقة العراقية مع دول أوروبا الغربية والشرقية لوجدنا أن العراق الذي ذبح على أرضه أبناءهُ من الشيوعيين بأبشع الصور، قد قدم على تكوين علاقات متميزة مع الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية، معتمدا بذلك من الناحية الصناعية والاقتصادية على التقنيات المتخلفة، ومن الناحية الايدولوجية والاجتماعية على كافة الوسائل المتوفرة من أجل عمليات غسيل الدماغ وممارسة قهر الرأي الاخر ومنع الحريات، إلى جانب نظام الفكر الشمولي الاوحد، وترسيخ العقلية العنفوانية الثورية لتحقيق الاهداف المشروعة والغير مشروعة.

في حين تجنبت الآلة السياسية العراقية الانفتاح على اوروبا الغربية وامريكا، وبالتالي منع عن الشعب هواء المجتمع المدني وحقوق الانسان وتعدد الثقافات، ورُسِخَ في ذهن المواطن العراقي، صورة أوروبا على أنها "امبرياليات توشك على الانهيار"، وهي أمبرياليات تعادي الشعب العربي والشعب المسلم.. فلم تتضمن الثقافة المدرسية عن أوروبا سوى فكرتين، الاولى الحملات الصليبية ولاحقا الاحتلال البريطاني واتفاقية سايكس بيكو التي قسمت "أمتنا العربية المجيدة"، والتي إنتهكت الحرمات، وأما الفكرة الثانية فهي أن كل التكنلوجيا والتقدم الذي تشهده اوروبا هو بفضل العرب الاوائل، إذ أقدم الاوروبيون على سرقة "التراث العربي الاصيل" وسرقة علوم واختراعات ابن سينا وابن الهيثم والفارابي غيرهم.

حتى علاقة العراق المتميزة مع فرنسا، كانت فرنسا هي المستفيد الاوحد، حيث لم تشهد خطوة في صالح الامة العراقية، وما كان يحصل، كان يشبه علاقة قروي جاهل يبيع محصوله بثمنٍ بخس لتاجر متعلم في المدينة.

       

ثالثاً: الموقف السياسي الشاذ من اسرائيل والقضية الفلسطينية

أتمنى أن لا ينظر إلى هذا الموضوع من منظار رعوي مؤامراتي خياني، بل من منظار وطني عراقي، وبإسلوبٍ حضاري ومنطقي. ولنأخذ في الاعتبار أن الدول حينما ترسم سياساتها الخارجية وعلاقاتها مع بعضها، لا تتعامل من منظار مثالي أو عشائري، فمثلاً الدول التي تلتزم القانون وحقوق الانسان لاتقطع علاقاتها مع الدول الدكتاتورية التي تقمع شعوبها، بل تبني العلاقات من منظار مصلحتها الوطنية. ولهذه المسألة الحساسة الشائكة عدة أوجه:

  1. الوجه التاريخي الاجتماعي: لو طالعنا تاريخ الشعبين اليهودي والفلسطيني منذ القدم، لوجدنا أن الصراع كان جزءاً من وجودهما الحضاري. فلم يشهد التاريخ فترة من الفترات دون أن يكون أحدهما القامع أو الظالم والآخر المنكوب على أمره. ولكن لم يكن لهذا الصراع ظلال على أرض العراق، فلم تكن ميسوبوتاميا طرفاً في ذلك الصراع. ونرى أيضاً أن الشعب اليهودي الذي سبي على فترتين تاريخيتين إلى العراق، قد أصبح جزءاً أصيلاً من مجتمع ميسوبوتاميا، بل أن تاريخه على ارض السواد أقدم من تاريخ دخول العرب المنطقة. وقد ساهم الشعب اليهودي في بناء العراق على مر التاريخ، إسوة بباقي أبناء الوطن. وكان وجودهم متميزا حتى عام الفرهود وطردهم من وطنهم وتهجيرهم إلى إسرائيل عنوة، وذلك بهدف إغتصاب أموالهم وممتلكاتهم.
  2. الوجه الجغرافي: العراق كما نعلم ليس من دول خط المواجهة مع اسرائيل، إذ لايشاركها في الحدود. وهذا يعني أننا حتى لو قبلنا جدلاً أن اسرائيل تعتدي على جيرانها دون سبب، فإن العراق لم يكن معرضاً لمثل هذا الاعتداء. بل على العكس شارك العراق مع الاسف، مثلما فعل أجدادنا البابليون والاشوريون، في عدة إعتداءات وحروب ضد الدولة العبرية الفتية. – هنا من الضروري أن انوه إلى الخصوصية العراقية، دون أن اناقش أحقية تلك الحروب وجدواها الانساني والعدلي-. ولكن المنطق يقول أن له لم يكن للشعب عراقي في تلك الحروب لاناقة ولاجمل.
  3. الوجه السياسي: معروف طبعاً أن النظام العراقي، وياللمفارقة، كان يعتبر من الحكومات الاكثر صرامة في موقفه ضد أسرائيل ومعاداته لليهود، رغم أن اسرائيل واليهود لم يشكلوا يوماً خطرا على أمن العراق. فكانت الانظمة العراقية المتلاحقة تقدم كافة التسهيلات الممكنة ومبالغ طائلة للقوى الفلسطينية، النضالية منها والارهابية على حد سواء. وأصبحت فلسطين وما يحصل هناك الشغل الشاغل في العراق، وأصبح المواطن العراقي يتقاسم الخبز مع منظمات فلسطينية لا أحد يعرف ما تفعله بمليارات الدولارات. فقد عمل النظام العراقي على غسل أدمغة الناس، مصوراً من كل يهودي أو اسرائيلي صورة العدو الابدي. في حين أن مصلحة الشعب العراقي كان تقتضي منذ البداية أن لا يدخل العراق نفسه في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، سواء كانت إسرائيل هي المعتدية والمغتصبة لحقوق الفلسطينيين، أو أن المنظمات الارهابية الفلسطينية هي التي تهدد أمن الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. فالمسألة ببساطة هي أن طرفا ما مظلوم والطرف الاخر ظالم، ولكن الدولة لا يجب أن تنظر من ذلك المنظار، وإلا كان يتوجب على الدولة أن ترفع الظلم من على شعبها أولاً، وكان يتوجب أن لاتتعامل الدولة مع أي قطر عربي، لأن جميعها تقمع شعوبها العربية المسلمة، وليس الشعب الفلسطيني العربي المسلم وحده هو المظلوم.

      إذن كان من المفروض أن يسعى النظام العراقي فقط وراء مصلحة الوطن. ومصلحة الوطن – من كافة النواحي        السياسية والاقتصادية والصناعية- لم تكن تقتضي إيواء المنظمات الفلسطينية، وتعبئة نفسية الانسان العراقي على الحقد على قوم لم يتضرر العراق منه، ومصلحة العراق لم تكن في العمل ضد إسرائيل. ومصلحة العراق لم تكن             مع طرد أبناء العراق من يهود بابل، بل إعادة تأهيلهم وربطهم بوطنهم الام، أرض أجدادهم.

 

رابعاً: أفاق المستقبل في العهد الجديد

لم تكن الشهور الماضية كفيلة بأن يتكون لدينا إنطباع معين عن الوجه المستقبلي لسياسة العراق الجديد، ولكن يبدو أن الحكومة العراقية المؤقتة تسعى جاهدة لبناء جسور الثقة مع دول العالم، وما الجولات الاقليمية والمكوكية لأعضاء الحكومة إلا خطوات صحيحة لبناء سياسة خارجية  ناضجة مع العالم وفق منظار مصلحة الشعب العراقي.

فحتى لو إختلفت التطلعات والسياسات مع بعض الدول المجاورة، فإن العراق بحاجة إلى بناء أمتن الجسور مع الجيران الستة، كل جار ضمن خصوصيته. وذلك لأنعاش الاقتصاد وسبل الانفتاح على العالم ما وراء البحار. والعراق بحاجة إلى أوروبا وأمريكا ودول الغرب لكي تساهم في إعادة الاعمار وترسيخ مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، ومنح الفرد العراقي انسانيته وكرامته. والعراق بحاجة إلى بناء جسور الصداقة مع الشعب اليهودي ودولة اسرائيل للاستفادة من قدراتها، وليتخلص الانسان العراقي من عقدة الصراع الذي لايهمه في شئ. وهذا هو الشئ الوحيد الذي لم تفعله القيادة العراقية لحد الان، وهو فتح صفحة جديدة مع اسرائيل لتكتمل المعادلة الصحيحة، لأن الموازنة لن تكتمل ما لم تتكون علاقة متينة بين الدولتين، خاصة وأننا نعلم أن العراق أصبح مرتع ذئاب وتيارات متطرفة تسعى للتخريب ومنع تحقيق الاستقرار، وللأسف بمعاونة غير مباشرة من دول الجوار. فسوريا وايران غير جادتين بضبط الحدود، ولم تشهد الساحة أي تحسن من هذه الناحية، وهنا يأتي دور إسرائيل الشافي لتحقيق الموازنة. فإذا ما طلب العراق مثلاً معونة إسرائيل لتقديم التكنلوجيا اللازمة لضبط الحدود الغربية والشرقية، والاستفادة من خبراتها والتعاون معها، سوف نرى أن السوريين والايرانيين يهرعون إلى محاسبة النملة التي تمر عبر الحدود.

وأعتقد أن القيادة العراقية من شأنها عاجلاً أم آجلاً أن تبادر إلى ذلك، خاصة وأن العراق في هذه الفترة الحرجة في أمس الحاجة إلى يد العون، ليس في المجال التقني والصناعي فحسب، بل الاهم على الصعيد الامني لمكافحة الارهاب.

____________________________

* كاتب عراقي مقيم في المانيا