رسالة
ودية إلى ..
بقلم:
صلاح برواري *
سيدي
الرئيس: يا
مَن جئتنا
مضمّخاً بعطر
البادية،
وقِيَم شمَّرها
الأصيلة. لك
تحياتُ فردٍ ينتسب
إلى "شعب
الغاز
والأنفال"!.
شعبُ
كردستان.. هذا
الذي هو جزء
عزيز من كبِد
العراق
الكبير،
استقبلك في
"حلبجته"،
التي هي الرمز
الأبرز لكل
أشجانه
ومآسيه، بما
لم يستقبل به
رئيساً
عراقياً من
قبل!.
استقبلتك
الجماهير
الكردية، وقد
فرشت لك
قلوبها
وروداً
حمراءَ على
جانبي الطريق.
إذ جئتَها
معزّياً
ب"حلبجتها"؛
بل ب"حلبجة العراق
كله"، لتثبت
أن شعب العراق
شعب واحد و موحَّد،
يتداعى بعضه
لبعضٍ عند
الملمّات. والشموع
التي أوقدتها
لأرواح شهداء
"حلبجتنا"،
إلى جانب
صديقك الزعيم
الكردي جلال
طالباني (الذي
خاطبته، بكل
تواضع،
قائلاً إنك
تعتبره أستاذاً
وتريد أن
تتعلم
منه)،إنما
أوقدتها لأرواح
شهداء العراق
كله؛ فالعراق
كله "حلبجة"!.
لقد
أزاحت زيارة
رئيسنا،
الكثير من
الحزن والألم
عن قلوبنا،
وعمّت الفرحة
سائر كردستان،
التي ظلت
بجبالها
ووهادها -
ولسنوات طوال-
الحضن الدافئ
والأم الرؤوم
لمناضلي "المعارضة
الوطنية
العراقية"،
الذين خضب
المئات منهم
مفرق شعرها
بدماء
قلوبهم،
ورقدوا في أحضانها
رقدتهم
الأبدية،
بعيدين عن
أحضان أمهاتهم
وزوجاتهم
وأخواتهم.
هذا
هو العراق يا
سيدي.. كله لنا..
وكلنا له!.
لا
أخفيك، سيدي
الرئيس، أنني
كنتُ -
ولسنواتٍ
عجافٍ طويلة- أحقد
على العراق..
وأشفق عليه!،
أمقته..
وأحبه، في
دوامة صراعٍ
نفسي رهيب.
هذا
العراق، يا
سيدي، هو مَن
دمّر طموحي
العلمي في
الحصول على
الشهادة
الجامعية،
وما بعد الجامعية؛
لا لجريرة
اقترفتها
بحقه، بل فقط لأنني
امتنعت عن
الانتساب إلى
حزب "البعث"
الفاشي المقيت،
قبل ربعٍ قرنٍ
بالتمام
والكمال!.
وهو..
من دفعني لخوض
غمار رحلة
أوديسية شاقة
ومديدة، من
الغربة
والاغتراب،
ولَمّا يشتد عودي
بعدُ!. حتى
استقر بي
المطاف في
دمشق الشام،
التي عوضتنا
بعض ما كنا
نعانيه من
الغربة والوحدة
والتوحّد.
وهو..
مَن دفعني
للابتلاء،
مثل غيري من
المثقفين
العراقيين
المغتربين،
بداءِ
الكتابة بأسماء
مستعارة
عدّة، حفاظاً
على البقية
الباقية من
رمق
العجوزين،
اللذين
تركتهما بين
أنياب الدهر!.
وهو
أيضاً.. من
جعلني أنتهج
أساليب
ملتوية، للإفلات
من قبضة
الرقابة
الإعلامية
الشديدة
والمتشددة، للدولة
المضيفة، عبر
إصدار الكتب
عن دار نشر وهمية،
في بلد مجاور،
يُعرف بأنه
بلد "كُل من إيدو
إلوُ"!. لكنّ
شطارتي
"المصلاوية"
لم تدم إلا
رويداً، إذ
سرعان ما
استدعاني أحد
فروع الأمن
العديدة
والمتعددة،
في هذه الدولة
الشقيقة،
ليأمرني -
وتحت طائلة
التهديد
والوعيد، بالسجن
أو التبعيد-
بالكف عن
إصدار "الكتب
الكردية"،
خشية أن يفقد
البلد
"بكارته"
العروبية!!.
العراق،
يا سيدي، هو
من جعلني
أفقد، وفي يوم
واحد، سبعة
عشر من أبناء
عمومتي، في
أنفالات عام
1988، لتبقى
غصتهم في
الحلق، وحسرتهم
في القلب، ما
حييت.
بعد
كل هذا وذاك،
ألا يحق لي أن
أقف مع صديقي
الشاعر
العراقي
المغترب
"فاضل
السلطاني"، لأردد
معه مخاطباً
العراق، الذي
قضيت أكثر من نصف
عمري خارجه:
وطني..
ألا
أخجلُ قليلاً
أن
أقول إنك
وطني؟!.
* * * *
هذا
العراق الذي
ضاق بأبنائه،
رغم كل وساعته
وشساعته،
فلفظهم
كالنوى في
قفارالأرض
وبيدِها
وفيافيها.
لكنهم ظلوا
مسكونين بحبه
وعشقه، الذي
كان يجمعهم
جميعاً، بكل
أطيافهم وتلاوينهم
القومية
والمذهبية،
حتى اكتحلت
عيونهم بمرأى
تحريره
وتحرره، من
أعلاطٍ وشذاذ
آفاقٍ، اعتلوا
صهوته في غفلة
من الزمن.
كنا
نرنو إلى
عراقنا
الجريح، ونحن
نلعق جراحنا
النازفة
بحسرة وألم،
وخنجر الغربة
مغروز في
أعماق الروح؛
فنحقد عليه..
ونشفق،
ونكرهه.. ونحبه.
إذ كيف
لمثلِنا- نحن
الذين تحولت
كل خلية من
خلايا
أجسادنا
المنهَكة،
إلى محرابٍ
لعشق الوطن-
أن نكون
بعيدين عمّن
نحب، وشموع
أعمارنا تحترق
بنهمٍ وجنون!.
كردستانُ..
كانت لوحدها
فسحة الأمل
لكل العراقيين.
كان ابن
البصرةِ
يشمُّ، مِن
على ذراها، عبق
الأهوار
الحزينة. وابن
الكوفة
يستشفُّ، من
على قممها،
رؤية مرقد
الإمام
الذبيح!.
وعندما
تحرر العراق
من ربقة
الدكتاتورية
والفاشية،
امتزجت
زغاريد
الشمال مع
أهازيج الجنوب،
لتشكل لوحة
فسيفسائية
جميلة؛
فاستفاق
شياطين العرب
وصعاليكهم،
من الأصوليين
والقومجية،
وأبوا إلا أن
يغرقوا فرحة
العراقيين في
بحار من
الدماء
والدموع, ولكن
تضافر جهود كل
الخيرين,
من
العراقيين
وإخوتهم
وأصدقائهم,
كفيل برد كيد
هؤلاء القتلة
والمجرمين
إلى نحورهم,
وبجعل سيفك
البتّار يحز
رؤوسهم
العفنة0
لقد
ضحك
الكثيرون،
يا
سيدي، حين
سمعوك تهدد
الإرهابيين
بالسيف!. هم
يهددوننا
بالسيارات
المفخخة،
والقنابل والعبوات
الناسفة،
التي تفجّر من
بعدٍ بالريموت
كونترول،
وأنت تشهر في
وجوههم سيفك
البدوي البتّار!.
لكنك
كنتَ على حقٍ،
سيادة
الرئيس؛
فالبدوي عندما
يشهر سيفه،
إنما يختزل في
ذلك كل شجاعته
ونخوته.
والسيف هو رمز
لصفاء ونقاء
روحك وسريرتك
البدوية،
أيها القادم
إلينا من عيون
الصحراء.
سيدي
الرئيس:
كثيرون
هم من همزوا
ولمزوا،
قائلين
بسخرية: كيف
سيحكم العراق
رئيس يرتدي
الدشداشة
ويعتمر
الكوفية
والعقال، وإن
كان مثقفاً
ويحمل شهادة
عالمية عليا؟.
لكنني واثق أن
هؤلاء يأخذون
الأمور
بمظاهرها،
ولا يزنونها
بميزان العقل
والمنطق. ألا
ينظرون إلى
الكويت كيف
أصبحت، في ظل
حكم أصحاب
الدشداشة
والعقال؟. ألم
تصبح واحة الديمقراطية
في الوطن
العربي، الذي
يشكو من جَدبٍ
ديمقراطي
فظيع؟!. ألم
يصبح
"البرلمان
الكويتي"
أنموذجاً
للبرلمان
المبتغى في
العالم
العربي، الذي
لا تعرف جلُّ
برلماناته
سوى طأطأة
الرؤوس ورفع
الأيادي،
للموافقة على
أمورٍ سبق أن
تم إقرارها
وقَونَنَتها.
البرلمانيون
الكويتيون
يملؤون
برلمانهم
صخباً وجدلاً،
بينما
زملاؤهم - في
برلمانات
عربية أخرى- لا
يلفظون حرف
"لا" إلا عند لفظ
الشهادة "لا
إله إلا
الله..."!!.
وفي
دول خليجية
أخرى أيضاً
شواهد كثيرة
على التطور
العمراني
والاقتصادي
والثقافي
والسياسي.
لقد
تفاءلتُ بك
خيراً، في جعل
عراقنا
القادم دولة
نموذجية في
الحرية
والديمقراطية
والتطور, من
خلال هذين
الموقفين:
أولاً:
حين نشرَ
صديقي
وزميلي،
الأستاذ إسماعيل
زاير، رسومات
كاريكاتورية
لك في صحيفته
"الصباح
الجديد"،
سارعتَ
للاتصال به،
ليس معاتباً
أو مؤنباً أو
مهدِّداً- كما
هو متوقع من
رئيسٍ
عراقي-!، بل
مبدياً
إعجابك برسومات
الرسام الشاب
أحمد
الربيعي،
ومعرباً عن
استعدادك
لشراء نسخٍ
مكبرة منها؛
لتحفظها في
مكتبك
الرسمي!.
وهذه
هي المرة
الأولى في
العراق لا
"يزعل" السيد
الرئيس من
الكاريكاتور،
ولا يرسل
الأجهزة
الأمنية
"الخاصة" لاعتقال
الرسام، بل
ربما ينظر
إليه كوسيلة
تربوية
جديدة، في
مجتمع تعوّد
تقديس القائد
أو المسؤول
الحكومي منذ
قرون!(كما
يقول الزميل الصحافي
"يوخنا
دانيال" في
مقاله "فن
الكاريكاتور
العراقي..
يستطيع أن
يسخر من السيد
الرئيس")(ملحق
صحيفة -
النهار-
اللبنانية، 4
تموز 2004). وهذا يذكّرني
بما قام به
رسام
كاريكاتور
كردي عراقي،
قبل سنوات
عديدة، حين
أقام معرضاً
لرسوم كاريكاتور،
تُجسّد
شخصيات
سياسية
كردية، بعضها
في مواقع
قيادية
مرموقة، مثل
السيدين جلال
طالباني
ومسعود
بارزاني،
اللذين دُعيا
لحضور المعرض.
وقرر السيد
طالباني حينها-
مثلك- شراء
اللوحة التي
تصوره واضعاً
القدس وكركوك
في كفتي ميزان
(تعليقاً على
قوله الشهير:
كركوك قدس
الكُرد).
ثانياً:
في زيارتك إلى
كردستان
العراق مؤخراً،
والتي سبقتها
زيارة دولة
رئيس مجلس
الوزراء
الدكتور أياد
علاوي، قلتَ
في المؤتمر
الصحافي الذي
عقدته في مصيف
"صلاح
الدين"، مع
صديقك الزعيم
الكردي مسعود
بارزاني:"
سندعم هذه
التجربة في
كردستان بكل
الإمكانات...
نعتبر أن
الفيدرالية
في كردستان
سفينة لتقريب
أجزاء الوطن...
أعتز وأفتخر
بقانون إدارة
الدولة
للمرحلة
الانتقالية،
الذي أكد على
الفيدرالية،
وسيتم تطبيقه حرفياً...
لا أعتبر أن
الفيدرالية
مطلب الأكراد
وحدهم، وما
دام أسلوباً
مناسباً
للعراق الجديد؛
فهو مطلب كل
العراقيين...
هذه
الفيدرالية
التي ظُلمت
زوراً
وبهتاناً
بأنها مرادفة
لكلمة
الانفصال،
بينما هي في
الحقيقة
مرادفة لكلمة
تقريب أجزاء
الوطن إلى
بعضها البعض،
ونشجع باقي
المناطق،
ونتمنى أن
تصبح عندنا
فيدراليات
متآخية ضمن
العراق
الموحد".
هذه
المقتطفات
التي
أوردناها من
كلمتك الرصينة،
سيدي الرئيس،
هي دُرَرٌ
ولآلئ ترصّع
جبين عراقنا الوضّاء،
وهي "صمّام
أمان"
لوحدتنا
الوطنية الطوعية
والحُبّية.
كلي
أمل أن يُعاد
انتخابك
لرئاسة
العراق ثانيةً،
لتُبقي
العراق
الديمقراطي
الفيدرالي واحداً
موحداً،بمواقفك
السياسية
المبدئية
الشجاعة.
فالرجال
حقاً.. مواقف!.
*كاتب وصحافي
كردي عراقي
berwari57@hotmail.com
(صحيفة
"السياسة"
الكويتية،
العدد 12824، 1/8/2004)