رسالة وداع 00إلى السيد بول بريمر

                                                                                        بقلم: صلاح برواري *

 السيد بول بريمر المحترم

        الحاكم المدني الأميركي العام/السابق في العراق.

تحية طيبة.

    أبعثُ لسيادتك هذه الرسالة، عَبر صحيفة "السياسة" الكويتية، ولا أعرف هل ستقرأها، أو بالأحرى ستُقرأ لك، أم لا؟. ولا سيما أنك الآن في ربوع وطنك، وأحضان أحبائك، تستريح بعد طول عناء، منفضاً عن نفسك وعثاء السفر، ومسترجعاً ذكرياتك في "أرض السواد"، بحلوها ومرّها. وقد يستفيد من الرسالة أيضاً السيد "جون نيغروبونتي"، سفيركم الجديد في بغداد. 

سيدي الكريم:

   ها قد غادرتنا وفي قلبك، وقلوبنا أيضاً،ألف فرحةٍ وغصة!. ألف فرحةٍ، لأنك لمست مدى امتنان ومحبة واحترام شعبنا العراقي لك، ولأننا أيضاً لمسنا فيك كل النُبل والمحبة الصادقة، والتفاني في الوقوف معنا في خندق الصعاب والمآسي. وسنظل نذكر، وبكل خير، أفضالك على شعبنا، وهي كثيرة. ففي عهدك تأسس "مجلس الحكم"، الذي شهد في ظله العراقيون، ولأول مرة في تاريخهم السياسي، تجربة حكمٍ مصغرة، تشارك فيها كل قوميات وطوائف الشعب العراقي، دون أن يحس أحد بالغبن أو التهميش، على أساس إثني أو طائفي. كذلك تأسست "لجنة صياغة الدستور"، هذا "الدستور" الذي كنا نسمع به ونقرأ عنه، دون أن نراه أو نلمسه أو نحس به، طيلة السنوات العجاف التي حكمَنا فيها البعث الفاشي!، وصِيغَ "قانون الإدارة الانتقالية" في دولة افتقدت "القانون" طويلاً!. أما حكومتنا العتيدة الحالية "حكومة الياور- علاوي"، فهي أروع إنجاز حققه شعبنا العراقي، إبان وجودك بين ظهرانيه، ومساعدتك المخلصة له في تحقيق هذا الإنجاز التاريخي. ولأن الفرح "ما يكملش إلا بالحلو- كما يقول اخواننا في مصر"، فقد آثرتَ أن يكون ختام إقامتك في العراق مِسكٌ، عَبر إعلانك التاريخي عن تسليم السيادة إلى العراقيين.

   أما الغُصَّة، أو بالأحرى الغُصَص، التي بقيت في قلبك وقلوبنا، فهي أنك شاركتنا الضرّاء أكثر من السرّاء، واشتركت معنا في أحزاننا على فقد العديد من خيرة قادتنا، الذين ذهبوا ضحية عمليات الغدر والاغتيال. كنتَ شريكاً حقيقياً لنا في آلامنا،ونأمل أن نتمكن من رد جميلك، حين تأتينا زائراً ذاتَ يومٍ قريبٍ، برفقة حفيدتك الصغيرة "صوفي"، كما وعدتنا في كلمة الوداع، لنفرش لك الورد في أرضٍ سنستأصل فيها كل أشواك الإرهاب والإجرام. لن ننسى دماثة خُلُقك وتواضعك الجم، وصبرك على الشدائد دون تذمر. ولم نسمع منك كلمة إساءة بحق شعبنا، عند وجودك بين ظهرانينا وبعد مغادرتك لنا، لأنك تعرف أن الشيب الذي غزا شعرك بنهمٍ شديد، وخلال هذه الفترة الزمنية القصيرة، بسبب ما كابدته من متاعب وشدائد، سبق له أن غزا شعور شبابنا، وهم في مقتبل أعمارهم، بسبب ما كابدوه من أهوال لا توصف، ولا يستطيع أن يحس بوطأتها المرء إلا إذا كان عراقياً!!.

  لن ينسى شعبنا فضل شعبك ودولتك ورئيسك، في إنقاذ شعبنا ودولتنا من "رئيسنا" الهمجي المتوحش، الذي أعادنا- وحزبُه الفاشي- قروناً إلى الوراء، وأغرق عراقَنا العزيز في الدماء والدموع، ولا يزال أيتامه- في "الفلوجة" وغيرها- يحاولون إعادة "أمجاد" رئيسهم في القتل والترويع، لمنعنا من بناء عراقِنا الديمقراطي المزدهر. وهم يلقون، في محاولاتهم هذه، كل الدعم والإسناد من "الأخوة والأشقاء"!، وعلى قاعدة "مِنَ الحُبِّ ما قَتَل"!!.

  وإذا كان لنا أن نعتب عليك، من باب المحبة، فسنعتب عليك لقولٍ قلتَه، وما كان لك أن تقله!. لقد قلتَ قبل فترة، وفي دلالٍ واضح!، إنكم لا تريدون البقاء في العراق، إذا شعرتم أن وجودكم غير مرغوبٍ به هناك!. وأردفتَ قائلاً إنكم على استعداد لمغادرة العراق، بعد الثلاثين من ‏حزيران‏‏ "موعد تسليم السلطة إلى العراقيين"، إذا أبدى العراقيون رغبةً في خروج القوات الأميركية، وعدم بقائها في بلدهم.

   مهلاً، سيد بريمر، فالدخول إلى الحمّام ليس كالخروج منه، كما يقول مَثَلُنا الشرقي المعروف!. وكان عليك دراسة وحفظ بعض أمثالنا الشرقية، إلى جانب قرارك بتعلم اللغة العربية، لأنّ هذه الأمثال هي المعبّر الأوضح عن مكنونات النفس الشرقية (العربية وغيرها.. فكلنا في الهمّ شرقُ). ولأنها أيضاً خير دراسة سايكو- سوسيولوجية لنفسيتنا الشرقية "الجَمعية".

   ولشرح المثل السابق شرحاً "براكتيكياً"، كما تحبذون القول كأميركيين وغربيين عمليين، أعود إلى الشطر الأخير من قولكم، لنجد أن "المثل" يشرح نفسه بنفسه، إذا صح التعبير!.

   نعم، لم تشتطّوا في القول كثيراً، حين استشعرتم أن وجودكم في العراق قد يكون غير مرغوبٍ به، بعد نهاية شهر حزيران. لكنّ صيغة "التعميم" هذه، هي التي أوقعتكم في مطب "التصريح الدبلوماسي المتسرع"!، وهو قطعاً خطأ غير مقصود. وربما تنبّه إليه وزير خارجيتكم الموقر "كولن باول"، فتداركَ الأمر بالقول إنّ أميركا لا تفكر، حاليا،ً بالخروج من العراق. وكذلك أشار الرئيس المصري حسني مبارك، وهو كما تعرفون أكبر زعيم عربي، وزعيم أكبر دولة عربية، إلى أن انسحاب أميركا من العراق سيخلف كارثة، ليس أقلّها "الاحتراب الأهلي".

   لقد وفّر السيد "باول" عليك مشقة "الاعتذار" من العراقيين، على تصريحك المتسرع هذا، والذي ضرب أخماسهم بأسداسهم، وجعلهم يرددون بصوتٍ واحد: "إذا كان الأميركيون ينوون الرحيل عن بلادنا بهذه السرعة، فلمَ دخلوها أصلاً"؟!. وعلى قاعدة "الشيءُ بالشيء يُذكَر"، أقول إن "الاعتذار" هو من شيمكم، وليس من شيم شرقنا العتيد!. فقد اعتذر رئيسكم الموقر "جورج دبليو بوش" علناً، وأعقبه مسؤولون آخرون كبار، مما فعله بعض سفهائكم في سجن "أبو غريب" ببغداد.

   هذه الفضيحة الأخلاقية، تندرج ضمن الحالات الفردية الشاذة، ولا تعبّر عن أخلاقكم وقيمكم النبيلة في الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. وكما تقول الكاتبة والصحافية الفلسطينية المغتربة "منى الغصين"، في مقال لها في صحيفة "الشرق الأوسط"(10/5/2004)، إن "تفاحة أميركية عَطِنة، لا تعبّر عن كل ما في الصندوق". هذه الفضيحةُ قد فضحت المستور "والمسكوت عنه طويلاً" في العالم العربي، المنكوب بحكامه، وأعني بذلك قضية "التعذيب" في السجون والمعتقلات العربية. وقد أشار إلى ذلك مفصلاً، وعَبر أكثر من مقال، الصحافي العربي الشهير ورئيس تحرير صحيفة "السياسة" الكويتية، الأستاذ "أحمد عبد العزيز الجار الله".  لقد جاءت هذه "الفضيحة" على قاعدة المثل العربي المعروف "رُبَّ ضارةٍ نافعة"، أو المثل العربي الآخر "رُبَّ رميةٍ من غيرِ رامٍ"!.

   هل حقاً هي رميةٌ  مِن غير رامٍ؟!. أليس معقولاً أن تكون هذه هي إحدى "مؤامراتكم" لإحداث "هزّة" في العقل والوجدان العربيَين النائمَين نومة أصحاب الكهف؟!. أعني "مؤامرة" مدروسة، ومخطط لها بإتقان، لدفع المثقفين العرب- والعروبيين منهم بشكل خاص- لخرق "التابو"، في الحديث عن عمليات التعذيب والاغتصاب تلك، والتي ربما ستذكّرهم أيضاً بما يجري في سجون ومعتقلات أنظمتهم القمعية، التي يطبّلون ويزمّرون لها ليل نهار، ويعبدونها عبادة الأصنام. بل ربما اشتط الخيال ببعضهم، فاعتبر أن اعتذار رئيسكم "بوش"، عما بدر من حفنة من جنودكم، من تصرفات لا أخلاقية بحق بعض معتقلي سجن "أبي غريب"، إنما هو أيضاً "مؤامرة" تهدف إلى سحب البساط من تحت أقدام غالبية الحكام العرب، الذين لا يجرؤون على مجرد الإشارة إلى ما يجري في سجونهم ومعتقلاتهم، فما بالك بحديثهم أو اعتذارهم من ذلك، يوماً ما!!.

   قد يبدو حديثي هذا عن "المؤامرة" غريباً، أو من قبيل الدعابة السمجة، لكنّ "العالَم العربي" مسكون بهاجس "المؤامرة"!. فهو يرد كل إحباطاته، على الصعيدين الداخلي والقومي، إلى "المؤامرات" التي تحاك ضده ليل نهار، من قبل الإمبريالية والصهيونية(..)،بل يصف وعلى لسان كبار المسؤولين، كل دعوات الإصلاح والديمقراطية وإقامة أسس المجتمع المدني، وإلغاء عسكرة المجتمع ودكتاتورية الحزب الواحد، على أنها "مؤامرات صهيونية"!!. وهذه "التشكيكات" منشورة على الصفحات الأُوَل من الصحف "الرسمية"!، و"على عينك.. يا مُشكِّك"!!.

   ويبلغ هاجس المؤامرة أقصى مداه، حين ينظر البعض إلى كل ذي عينين زرقاوين أو خضراوين، وافدٍ إلى "أرضِ عدنانَ وقحطان"، على أنه "متآمرٌ" ينوي "شرشحة" التراث والأدب العربيَين، إن حاولَ دراستهما وتعلُّمَ لغة الضاد!. أو هو، في أسوأ الحالات، يحاول الإساءة إلى القيم والتقاليد العربية الأصيلة، إن جاءَ البلادَ زائراً أو سائحاً. لأنه- ولأنها، يلبس- وتلبس "الشورت"، الذي يكشف- بالنسبة للإنسان العربي المكبوت تاريخياً، على الصُعُد كافة، أكثر مما يستر!. ومَن قال إن هذا "الزائر الغريب" ليس مؤيدَزاً ومؤيدِزاً؟، هدفه إحداث خلل "ديموغرافي"، في ليلةٍ ليس فيها ضوءُ قمر، بين سكان "الوطن العربي" و ربيبتكم "إسرائيل"؟!.

   صحيح أن "الإيدز" هو ماركة غربية بامتياز!، لكنه ليس شيئاً غريباً أو مجهولاً في العالم العربي، الذي يشكو جُلُّ مثقفيه ومفكريه، القومويين والعروبيين، من داءِ "إيدزٍ فكري" مستشرٍ بينهم، منذ قيام حزب "البعث" العفلقي!. هؤلاء الذين رفعوا عَقيرتهم، متباكين على عمليات التعذيب والاغتصاب، التي قام بها بعض "سفهائكم" في سجن "أبو غريب"، متناسين أن "المنطقة من المحيط إلى الخليج، هي بمثابة سجن "أبو غريب" كبير"، كما يقول الكاتب والصحافي اللبناني الأستاذ "راجح الخوري"، في صحيفة "النهار" اللبنانية (6/5/2004).

   وإحدى أهم منافع "ضارّتكم" هذه، هي أنها أنطقت شياطيننا الخُرْس، الذين بدؤُوا يُدبِّجون المقالات اللاهبة في الصحف الرسمية لأنظمتهم، أو الأخرى الدائرة في فَلَكها، متحدثين عن "بشاعة" عمليات التعذيب التي قام بها بعض جنودكم في سجن "أبو غريب"، بحق بعض السجناء العراقيين. وهي حقاً عمليات بشعة، لا تليق بقيمكم الحضارية ولا بأهداف التغيير التي جئتم من أجلها، ونأمل أن تكون خاتمة المطاف في هذا المجال. وقد أثلج صدورنا قرار البدء بإحالة مرتكبيها على التحقيق والعدالة؛ بل أثلج صدورنا أكثر، افتتاح مكتب داخل هذا السجن، تابع لوزارة حقوق الإنسان العراقية "وهذه سابقة لا مثيل لها في العالم العربي"، مهمته متابعة أية خروقات إنسانية أو قانونية أخرى، من هذا القبيل، في هذا السجن.

   وبلغ السُّفه ببعض هؤلاء المثقفين العروبيين، المؤيدَزين فكرياً، اتهامهم لبعض الضباط الكويتيين بالاشتراك في عمليات التعذيب المذكورة!، متناسين أن الكويتيين شعب أصيل ونبيل، تأبى عليه قيمه ومُثُله العربية الأصيلة الانزلاق إلى مثل هذه المزالق. هؤلاء الكويتيون، هم أنفسهم الذين رأيناهم يسارعون- مِن دون الكثير من العرب الآخرين- إلى إمداد أهالي منطقة "الزبير" العراقية الحدودية، بالماء والمأكل والكساء والدواء، ثم امتد عملهم الخيري هذا إلى مناطق أخرى من العراق، إبّان العمليات الأولى لحرب تحرير العراق، التي قادتها قوات التحالف "الأميركي- البريطاني". فهل يُعقل أن يبادر هؤلاء الأخوة، إلى الانتقام من أخوتهم العراقيين، في أول فرصة سانحة!. ولماذا يفعلون ذلك، وهم أدرى من غيرهم بأن من انتهك حرماتهم، واستباح أرضهم وعِرضهم، هو "البعث العراقي" وليس "الشعب العراقي"؟.

   ويتناسى هؤلاء العروبيون المنافقون، أن ما حدث في سجن "أبو غريب"، الآن وليس على أيام "بعثهم المقبور"، هو "نزهة" أو "سيران"، إذا قورن بما يحدث في سجون أنظمتهم القمعية، التي هي أبشع من أن يصفها خيال، أو يخطّها قلم!.

   ولأن ما يقولونه هو حق يُراد به باطل، فلنسأل هؤلاء الشياطين الخُرْس "على قاعدة: الساكت عن الحق، شيطان أخرس"، أين كنتم أيام حكم "فارس عروبتكم" صدام حسين؟!. لِمَ لَمْ تتحدثوا يومها، أو حتى بعد سقوط الطاغية، عمّا كان يجري في داخل هذا السجن بالذات "سجن أبو غريب- باستيل العرب"، من عملياتِ إلغاءٍ لإنسانية الإنسان، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى؟!. هل أكل القطُّ ألسنتكم؟، أم أن ما كان يفعله صدام حسين، هو من صُلب أفكاركم ودَيدَن سياساتكم؟!. كم من مّرةٍ حاول البعثيون العُتاة، وفي هذا السجن بالذات، إجبار السجناء العراقيين على مضاجعة أبنائهم وبناتهم الصغار، أو زوجاتِهم وأمهاتِهم، أمام حراس السجن؟!. وعندما كانوا يفشلون في إجبار السجين على ذلك، كانوا يتولون، هم أنفسهم، القيام بهذه المهمة القذرة، ضمن جو احتفالي ماجن!.

   لِمَ لَمْ يتحدث هؤلاء العروبيون يوماً،عمّا  كانت تتعرض إليه الفتيات والنساء الكرديات العراقيات "حفيدات صلاح الدين الأيوبي- محرر القدس!"، من عمليات اغتصابٍ منظمة من قبل البعثيين، إبّان حملات "الأنفال" السيئة الصيت في كردستان العراق، في فترة الثمانينيات؟. ألم يأتِهم نبأُ قيام "بعثهِم العتيد" بتصدير بعض الفتيات الكرديات "المؤنفَلات" إلى ملاهي ومواخير "جمهورية مصر العربية"؟!. وبالمناسبة، فإن هذا موثّقٌ في وثائق المخابرات العراقية، التي سقطت في حوزة الحركة الوطنية الكردية، بعد سقوط نظام عَبَدة الأصنام في بغداد- هؤلاء الذين حولوا كل مدن العراق وقصباته، إلى متاحفَ قسرية لنُصُب وتماثيل "القائد الضرورة"، التي سقطت تحت أقدام الجماهير الغاضبة، التي رأت فيها رمزاً للبؤس والقمع اللذين عانتهما طويلاً، في ليل البعث الداجي!.

   ولنقُل إنّ مأساة فتيات ونساء كردستان، لا تعني أصحاب الشعارات القومية البراقة في شيء، بل ربما تستقيم بذلك أرومتهم العربية!؛ فما بالهُم بما كانت تتعرض له فتيات ونساء الشيعة، في مدن الجنوب العراقي، المستباحة من قبل " قطعان الحرس الجمهوري العراقي" إبّان انتفاضة عام 1991؟!. أليس هذا شرفاً عربياً، يمكن الحديث عنه أيضاً!؟.

   بل أين كان العروبيون والقومجية العرب، وأين كانت أقلامهم، حين هتك "حراس البوابة الشرقية للأمة العربية!" أعراض آلاف الفتيات والنساء الكويتيات، إبّان الغزو الهمجي الجاهلي لدولة الكويت الشقيقة، في آب (أغسطس) 1990؟!. ألم يكن هذا أيضاً شرفاً "عدنانياً- قحطانياً"، يستوجب الحديث عنه أو الإشارة إليه؟!.

   حقاً إن غلاة العروبيين، من البعثيين على وجه الخصوص، يثبتون يوماً بعد آخر أن "البعث" يُغيَّر ولا يتغير!.

سعادة السفير بول بريمر:

   أعود إلى "الاعتذار" الذي قدمه رئيسكم "بوش" الابن، والذي قلتُ إنه من شيمكم وليس من شيم شرقنا العتيد!. إنّ ما قلتُه، يا سيدي، هو نقد للذات وليس جَلداً لها. بل وما الضير أصلاً أن يكون جَلداً للذات، إذا علمنا أنه ليس في قاموس "البعث العفلقي"، والدائرين في فلكه من العروبيين الكوبونيين "أصحاب كوبونات- رشاوى النفط الصدّامية"، تقديم أي اعتذارٍ، يوماً ما، من الحرب الظالمة التي شنها حزبهم الشوفيني ونظام حكمه الجائر، على الجارة إيران، طيلة ثماني سنوات (1980-1988). أو باصات الموت المفخخة، التي كانوا يرسلونها إلى عاصمة "البعث" الثانية "دمشق"، في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، لخلافٍ عقائدي بين "البعثَين"، أو قصف مدينة "حلبجة" الكردية العراقية بالغازات الكيماوية السامة (آذار- مارس 1988)، التي أودت بحياة أكثر من خمسة آلاف من سكانها الأبرياء، من شيوخ وأطفال ونساء على وجه الخصوص، أو إبادة أكثر من مئة واثنين وثمانين ألفاً  من الكُرد العراقيين، من رجال ونساء وأطفال، في عمليات "الأنفال" السيئة الصيت، في أواخر الثمانينيات من القرن المنصرم، أو غزو الجارة والشقيقة "الكويت" في آب- أغسطس 1990، واستباحة أرض وعِرض الشعب الكويتي الشقيق (وهم، بالمناسبة، من العرب العاربة الأقحاح، وليسوا- مثل سائر القومجية العرب- من العرب المستعربة!)، أو قتل مئات آلاف الشيعة العرب العراقيين (في انتفاضة 1991 وما تلاها)، أو المقابر الجماعية المزروعة في أرض الرافدين، من الشمال إلى الجنوب!، أو غيرها وغيرها من الجرائم، التي ارتكبوها بحق الشعب العراقي وشعوب المنطقة.

سيدي الكريم:

   لا أنكر أن وجودكم غير مرغوبٍ به في العراق، من لدن حفنة من عتاة المجرمين، من القتلة والإرهابيين. وخير شاهد على قولي هذا، هو ما يحصل من قتالٍ مستمر بين "قوات التحالف" وبين الإرهابيين العرب "من غير العراقيين". هذه القنابل البشرية التي تسلَّلت- و سُلِّلَت- إلينا من وراء الحدود، بوصفها هدايا "أخوية"!، لمنعنا من دمقرطة العراق. هؤلاء الأصوليون المتشددون، الذين هم من شذّاذ الآفاق ومن "سقط متاع" العرب والإسلام، والذين لاقت أعمالهم الإرهابية هوىً في نفوس بعض أيتام النظام السابق، من بقايا "البعث" المحلول وأجهزة المخابرات الصدّامية، فالتقت أهواء الطرفين في "الفلوجة"، وعلى قاعدة "الطيور على أشكالها تقع"!.

   ولكي تكتمل "الزفّة"، كما يقال، فقد انضم إلى هؤلاء أيضاً "مقتدى الصدر"، الذي هو مجرم عادي هارب من وجه العدالة، تسبب بقتل رجل الدين الشيعي الفاضل "عبد المجيد الخوئي" (في نيسان- أبريل 2003). والذي استفاد كثيراً من تلكؤكم في اعتقاله ومحاكمته، لحين توفر الأدلة الكاملة، التي كانت ظاهرة لكل ذي بصرٍ وبصيرة!. وهذه أيضاً إحدى مآخذنا عليك، فلو استمعت حينها إلى العراقيين، وعالجتَ هذا "الدمل" النابت في جسد شعبنا، بما تستلزمه المعالجة من شدةٍ وحزمٍ وكيٍّ، لما تقيّح بهذا الشكل المؤذي!. إنّ هذا الغرّ المغرور، والمنفوخ بعقدة الزعامة الوهمية، ليس أكثر من "عُلُطٍ" خاملِ الذكر بين رجال دينٍ أفذاذ، في  الوسط الشيعي العراقي، دفعه خمول ذِكره إلى إيجاد اسمٍ له بين الأسماء، فتلاعب بعواطف وعقول بعض الغوغاء، وشكل عصابته التي سماها "جيش المهدي"، والتي اخترقتها بقايا المخابرات العراقية، واستفادت منها ومن أعمالها. هذا الذي حاول أن يستشهد بآية قرآنية، في حوار ٍله مع فضائية "العربية"، لكنه اعتذر قائلاً إنه لا يحفظ نص الآية!. كيف لشخصٍ يدعي أنه رجل دين، و"قائد جيش المهدي"!، أن يقف عاجزاً أمام تذكّر جزء صغير من آية قرآنية؟!. هذا "المهرج" سبق له أن "كشف" لأنصاره، في خطبة عصماء ألقاها عليهم قبل شهور، وحين كان ريشه لا يزال زغباً، عن "سر" الانقطاع المفاجىء للتيار الكهربائي في بعض مناطق أميركا، قائلاً إن "سبب" ذلك هو قيام مروحية أميركية بإنزال "راية المهدي" عن برجٍ عالٍ، في مدينة (الصدر) ببغداد!!.

  هؤلاء هم، يا سيدي الكريم، من يريدون خروجكم من العراق!. فهل تتركون شعبنا العراقي فريسةً لعبثهم وإرهابهم وأطماعهم، كما سبق وأن تركتموه فريسةً للعُتُلِّ الزَّنيم "صدام حسين"، في انتفاضة آذار- مارس 1991؟!. هل تودّون تكرار ما نحاول نسيانه من إساءتكم لنا في حينه؟، هل تريدون ترك العراق لقَدَرهِ المجهول، بعد أن تدخلتم لرسمِ قَدَرٍ معلومٍ له، ينبّىء بمستقبلٍ واعدٍ له ولشعوب المنطقة، ويصب في صالح مشروعكم الحضاري لدمقرطة المنطقة، وتخليصها من دكتاتورياتها المقيتة؟.

   هل حقاً تريدون ترك العراق يغلي في أتون حربٍ أهلية طاحنة، لا تبقي ولا تَذَر؟. حرب تسود فيها شريعة الغاب، حيث يستأسد القوي على الضعيف، وتبرز إلى السطح مختلف الأحقاد القومية والمذهبية الدفينة. حرب سيفرح لها بعض جيراننا ويغتمّ آخرون!. حرب ستجعل الكويتيين يلعنون الساعة التي ابتلوا فيها بجيرتنا، وتدفع أبناء كردستان العراق إلى إعادة الفصل العملي لكردستانهم عن العراق العربي، بعد أن أعادوها طواعية (إثر انفصال عملي، دامَ أكثر من عَقْد)، وتدفع أيضاً بعض جيراننا كي يجوروا علينا عَلَناً، بدلاً من الخفاء، فيحاول كلٌ على سجيته ووفق أطماعه، خلقَ امتداداتٍ عِرقية أو مذهبية أو أيديولوجيةٍ، هنا وهناك في أرض السواد، التي كانت ولا تزال تلبس السّواد!.

   عندها، سيدي الكريم، سيسقط مشروعكم الحضاري والديمقراطي في الحضيض، وستكسبون عداء شعوب المنطقة وكراهيتها لقرونٍ قادمة. وسيتحول الشرق كله إلى شرقٍ بن لادنيٍّ (نسبة إلى الإرهابي السعودي أسامة بن لادن) وزرقاويٍّ (نسبة إلى الإرهابي الأردني أبو مصعب الزرقاوي) وكريكاريٍّ (نسبة إلى الإرهابي الكردي العراقي ملا كريكار). وستصبح المنطقة بؤرة توترٍ عالمية، حبلى بالحروب والمآسي والمجاعات. وستصبح جريمة الحادي عشر من سبتمبر، بالنسبة إلى المواطن الأميركي، مجرد "نكشة" أو "وخزة"، قياساً إلى ما هو قادم!.

   هل عرفتم، بعد كل هذا، معنى الاختلاف بين الدخول إلى "حمّامنا الشرقي" والخروج منه؟. وهل ستشرحون ذلك لسعادة السفير "نيغروبونتي"، كي لا يزيد همومنا أيضاً بتصريحٍ مماثل، إذا ما عنّ له ذلك ذات يوم؟!. أولم تكن لِتعطنا الحق، لو قلنا لك يومها: "أَ بريمرُ، مهلاً بعضَ هذا التدلُّلِ"؟!، مع الاعتذار لروح الشاعر العربي الجاهلي الأشهر "امرؤ القيس"، صاحب القصيدة المعروفة "أَ فاطمُ، مهلاً بعضَ هذا التدلل".

                                                 * كاتب وصحافي كردي عراقي/ مقيم في دمشق

                                                         beberwari57@hotmail.com

(صحيفة "السياسة" الكويتية، العدد 12798، 6/7/2004).